السيد رضا الصدر

25

محمد ( ص ) في القرآن

بيد أنّ البشر في القرون المتقدّمة عليه أكثر عددا وأطول زمنا ، فلم تر البشريّة عبر عصورها من خدمها مثل محمّد صلّى اللّه عليه وآله . إنّه أعظم إنسان حملته الأرض عبر التأريخ ، وهو للعالم كلّه وليس للشرق خاصّة . كما أنّه ليس للمسلمين فحسب ، إنّه للبشريّة أجمع ، والعظيم لا يحدّ بمكان ولا بزمان . وكذلك دعوته لم تكن محدّدة بمكان ولا بزمان ، كما أنّ انتفاع البشريّة من دعوة محمّد صلّى اللّه عليه وآله لم يكن محدّدا بمكان ولا بزمان ، ولم أعرف رجلا انتفع العالم الإنسانيّ بدعوته مثل ما انتفع العالم بدعوة محمّد صلّى اللّه عليه وآله . ومن درس حياة محمّد صلّى اللّه عليه وآله والمبادئ التي أتى بها يعرف أنّ غير المسلمين من الأمم قد سعدوا في حياتهم بمحمّد صلّى اللّه عليه وآله مثلما سعد المسلمون به ، إن لم يكونوا أكثر سعادة . إنّ الأنبياء كلّهم خدّام البشرية ، فهم الذين يسعون في سبيل إسعادها جميعها على مساحة كلّ الزمان والمكان ، وكان محمّد صلّى اللّه عليه وآله أعظمهم خدمة للبشريّة ، وأفضلهم ، وخاتمهم . وإذا نظرنا إلى الزمن الذي نشأ فيه هذا العظيم وإلى القرن الذي ظهر فيه يزداد العجب وتشتدّ الحيرة ، فإنّه نشأ في أشدّ الأيام ظلمة وأحلك العصور ، عصر لا يفرّق أهله بين الحقّ والباطل ، ولا يميّزون بين العدل والظلم ! فنهض يومئذ لإزالة الظلم والطغيان عن وجه الأرض ، ولمحو الفقر والمسكنة عن المجتمع البشري ، وصرف جهده ، وبذل وسعه في هذا السبيل ، وضحّى بكيانه وأعزّ أعزائه ، وأتى بشريعة تنطوي على قوانين راقية ومبادئ عالية ملائمة للطبيعة الإنسانية ، وجاء بأنظمة شاملة لم تستطع العقول أن تأتي بمثلها فضلا من الإتيان بالأفضل منها . إنّ الشريعة التي أتى بها محمّد صلّى اللّه عليه وآله منسجمة كلّ الانسجام مع السنن الكونية ، ومعطية لكلّ غريزة حقّها ، لا تحول بين الطبيعة الإنسانية ومتطلّباتها ، وتتسامح بذلك