محمد هادي معرفة
545
شبهات وردود حول القرآن الكريم
لإمبراطوريّته الجديدة . وكان الرجل قويّ الشكيمة ، عنيدا لا يحول عن رأيه ، وكان عقد العزم على أن يوحّد بلاده بالدم والحديد . ولمّا أن وحّد بلاد الصين وجلس على عرشها ، كان أوّل عمل قام به أن حمى بلاده من الهمج البرابرة المجاورين لحدودها الشماليّة ، وذلك بأن أتمّ الأسوار التي كانت مقامة من قبل عند حدودها ، ووصلها كلّها بعضا ببعض . وقد وجد في أعدائه المقيمين في داخل البلاد موردا سهلا يستمدّ منه حاجته من العمّال لتشييد هذا البناء العظيم الذي يعدّ رمزا لمجد الصين ودليلا على عظيم صبرها . وهو أضخم بناء أقامه الإنسان في جميع عصور التاريخ . ويقول عنه « ولتير » : إنّ أهرام مصر إذا قيست إليه لم تكن إلّا كتلا حجريّة من عبث الصبيان لا نفع فيها » . « 1 » إذن فمن غريب الأمر ما ذهب إليه بعضهم من أنّ هذا السور هو السدّ الذي بناه ذو القرنين ! قال الأستاذ محمد خير رمضان يوسف : ما كنت أظنّ أنّ الخطأ في التحقيق يصل بالبعض إلى هذا الحدّ . . . فقد خلط بين السدّ والسور ، رغم أنّه يعرف الفارق الكبير بينهما ، من حيث الطول أو الهيئة أو المكان ! فيذكر الأستاذ الطبّاخ : أنّه لا ينافي أن يكون السدّ ( سور الصين ) من آثار ذي القرنين ، لأنّ البنّائين إنّما هم صينيّون ، وهو مقتضى قوله تعالى : فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ « 2 » أي بقوّة فعلة أو بما أتقوّى به من الآلات . . . وهذا لا ينافي أيضا أن ينسب بناؤه إلى ملك الصين الذي كان في ذلك الزمن ، حيث إنّه كان بطلب منه وعمل على مرأى منه ، إلّا أنّه لمّا كان ضعيفا لا يتمكّن من عمله بنفسه ورعيّته ، وكان عدوّه قويّا ليس في الوسع مقاومته وردّ غارته ، استنجد بذي القرنين ، لمّا وصل إليه دفع ذي القرنين من الجنود ما لا قبل لأحد بها ، فاضطرّ المغوليّون إلى السكوت وعدم الممانعة ، فتمكّن الصينيّون بمعونة ذي القرنين
--> ( 1 ) قصّة الحضارة ، ج 4 ، ص 97 - 98 . ( 2 ) الكهف 18 : 95 .