محمد هادي معرفة
434
شبهات وردود حول القرآن الكريم
والسيّئات ، وكيف كانوا يحدثون في أثر كلّ عقوبة توبة ، ويحدث لهم في أثر كلّ نوبة نعمة ، ثمّ يعودون إلى بطرهم ، وينقلبون إلى كفرهم ! « 1 » وهكذا قصّة لوط جاءت في سورة الحجر : فَلَمَّا جاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ . قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ . قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ . وَأَتَيْناكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصادِقُونَ . فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ . وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ . وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ . قالَ إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ . وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ . قالُوا أَ وَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ . قالَ هؤُلاءِ بَناتِي إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ . لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ . فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ . . . . « 2 » لكنّها لو لوحظت مع إحدى قصص لوط في القرآن كقصّته في سورة هود ( الآيات : 78 - 83 ) تختلف عنها في ترتيب سرد أحداثها ، فتبتدئ بمجيء الملائكة ، ثمّ حاله واضطرابه النفسي ، ثمّ مجيء القوم ، ثمّ موقفه وعرض بناته حتّى لا يخزى ، ثمّ ردّهم عليه وعزمهم على إتمام عزمهم ، ثمّ موقف الملائكة وإخبارهم إيّاه بأنّهم رسل ربّه ، وإخبارهم بمجيء العذاب وموعده ، ثمّ نوع العذاب . فهنا نلحظ أنّ المحاورة بينه وبين قومه تتمّ قبل أن تخبره الملائكة بأنّهم رسل ربّه . والقصّة تجري بعد ذلك وقد رتّبت وقائعها الترتيب الذي يشعر بأنّ الزمن هو المحور الذي يربط هذه الوقائع المختارة أو هذه الأحداث المصوّرة . أمّا في سورة الحجر فالملائكة تعلّمه كلّ شيء قبل مجيء قومه ، ومع ذلك تمضي المحاورة مع قومه وكأنّه لم يعلم بأنّ أضيافه من الملائكة . وليس يخفى أنّ هذا بعيد عن الوقائع ، ومشاكلته قريب من القصص وما فيه من حرّيّة تؤذن للقاصّ بأن يرتّب أحداثه الترتيب الذي يصل إلى الغرض ويؤدّي إلى الأهداف . ولعلّ السبب في هذا الاختلاف : القصد من قصّة لوط في سورة هود هو تثبيت قلب
--> ( 1 ) تفسير المنار ، ج 1 ، ص 346 . ( 2 ) الحجر 15 : 61 - 73 .