محمد هادي معرفة

372

شبهات وردود حول القرآن الكريم

ونظيره قوله تعالى في موضع آخر : وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ . « 1 » قال سيبويه - في باب ما ينتصب في التعظيم والمدح - : وسمعنا بعض العرب يقول : الحمد للّه ربّ العالمين - بنصب الربّ - فسألت عنها يونس فزعم أنّها عربية . « 2 » قال : ومنها « والمقيمين » و « الصابرين » فقطع إلى النصب مدحا . وهذا باب شائع في العربية ، وتكلّم فيه سيبويه بتفصيل . « 3 » وهكذا قال أبو عبيد . قال : هو نصب على تطاول الكلام بالنسق ، أي للإيفاد بالكلام تطرية تخرجه على تطاول النسق . فيجوز القطع إلى النصب وإلى الرفع تطرية للكلام وإخراجه عن نسق واحد . وأنشد للخرنق بنت هفّان : لا يبعدن قومي الذين هم * سمّ العداة وآفة الجزر النازلين بكلّ معترك * والطيّبون معاقد الأزر « 4 » وأمّا الجزم في « وأكن » معطوفا على « فأصّدق » فمحمول على موضع « فأصّدّق » لو لم يكن فيه الفاء ، وموضعه جزم ، جوابا ل « لولا » في قوله تعالى : فَيَقُولَ رَبِّ لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ . « 5 » وهو من العطف على التوهّم ، وهو شائع في اللغة . كما في قول الشاعر : فأبلوني بليّتكم لعلّي * أصالحكم وأستدرج نويّا فجزم « أستدرج » معطوفا على موضع « أصالحكم » بتوهّم أنّه لو لم يكن قبلها « لعلّي » . لأنّه قال : فأبلوني بليّتكم أصالحكم واستدرج . « 6 » وللفرّاء هنا كلام مسهب أتى فيه بفوائد جمّة ، نذكره على طوله :

--> ( 1 ) البقرة 2 : 177 . ( 2 ) كان سيبويه يحترم آراء يونس . ويأخذها حجّة . والزعم هنا بمعنى الرأي والنظر . ( 3 ) راجع : كتاب سيبويه ، ج 1 ، ص 288 - 291 . ( 4 ) تأويل مشكل القرآن ، ص 53 . ( 5 ) المنافقون 63 : 10 . ( 6 ) راجع : تأويل مشكل القرآن ، ص 56 .