محمد هادي معرفة

302

شبهات وردود حول القرآن الكريم

الأوّل . « 1 » وقوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا . « 2 » قالوا : ليس الودّ ممّا يجعل ، وإنّما هو شيء يحصل في القلب . فلا يقال : يجعل لك حبّا ، بل يقال : يحبّك . والجواب : أنّ المراد جعل الودّ أي خلقه في قلوب المؤمنين . قال ابن قتيبة : فإنّه ليس على تأوّلهم ، وإنّما أراد أنّه يجعل لهم في قلوب العباد محبّة . فأنت ترى المخلص المجتهد محبّبا إلى البرّ والفاجر ، مهيبا مذكورا بالجميل . ونحوه قوله تعالى في قصّة موسى عليه السّلام : وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي . « 3 » لم يرد في هذا الموضع أنّي أحببتك وإن كان يحبّه . وإنّما أراد أنّه حبّبه إلى القلوب وقرّبه من النفوس . فكان ذلك سببا لنجاته من فرعون ، حتّى استحياه في الوقت الذي كان يقتل فيه ولدان بني إسرائيل . « 4 » وقالوا في قوله تعالى : وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً . « 5 » السبات هو النوم ، فكيف يجعل نومنا نوما ؟ لكن السبات هاهنا ليس بمعنى النوم ، بل هو بمعنى الراحة ، أي جعلنا النوم راحة لأبدانكم . ومنه قيل : يوم السبت ، لأنّ الخلق اجتمع في يوم الجمعة ، وكان الفراغ منه يوم السبت . فقيل لبني إسرائيل : استريحوا في هذا اليوم ولا تعملوا شيئا ، فسمّى يوم السبت أي يوم الراحة . وأصل السبت التمدّد ، ومن تمدّد فقد استراح . ومنه قيل : رجل مسبوت . ويقال : سببت المرأة شعرها : إذا نقضته من العقص وأرسلته . قال أبو وجزة السعدي : وإن سبّتته مال جثلا كأنّه * سدى وأثلاث من نواسج خثعما « 6 »

--> ( 1 ) تأويل مشكل القرآن ، ص 78 . ( 2 ) مريم 19 : 96 . ( 3 ) طه 20 : 39 . ( 4 ) تأويل مشكل القرآن ، ص 79 . ( 5 ) النبأ 78 : 9 . ( 6 ) الجثل هنا بمعنى : المنثور المتفتّت ، من جثلته الريح : إذا استخفته فنثرته . والسدى : خيوط تنسجها النساء بالمغزل . والواثلات : الناسجات . تأويل مشكل القرآن ، ص 80 .