محمد هادي معرفة
284
شبهات وردود حول القرآن الكريم
اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ . « 1 » وغيرهما من آيات مكّية جاء الدستور فيها بالخفض واللين والرأفة مع المؤمنين ، فكيف يا ترى يتغافل النبيّ عن خلق كريم هي وظيفته بالذات ، ولا سيّما مع السابقين الأوّلين من المؤمنين ، وبالأخصّ مع من ينتمي إلى زوجته الوفيّة خديجة الكبرى أمّ المؤمنين . « 2 » وقال الشيخ أبو جعفر الطوسي : ما ذكروه سببا لنزول الآيات إنّما هو قول لفيف من المفسّرين وأهل الحشو في الحديث ، وهو فاسد ، لأنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله قد أجلّ اللّه قدره عن هذه الصفات ، وكيف يصفه بالعبوس والتقطيب وقد وصفه بالخلق العظيم واللين وأنّه ليس بفظّ غليظ القلب ؟ ! وكيف يعرض النبيّ عن مسلم ثابت على إيمانه جاء ليتعلّم منه ، وقد قال تعالى : وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ! ؟ « 3 » ومن عرف النبيّ وحسن أخلاقه وما خصّه اللّه تعالى به من مكارم الأخلاق وحسن الصحبة ، حتّى قيل : إنّه لم يكن يصافح أحدا قطّ فينزع يده من يده حتّى يكون ذلك هو الذي ينزع يده . فمن هذه صفته كيف يقطب وجهه في وجه أعمى جاء يطلب زيادة الإيمان . على أنّ الأنبياء عليهم السّلام منزّهون عن مثل هذه الأخلاق وعمّا دونها ، لما في ذلك من التنفير عن قبول دعوتهم والإصغاء إلى كلامهم . ولا يجوّز مثل هذا على الأنبياء من عرف مقدارهم وتبيّن نعتهم . نعم ، قال قوم : إنّ هذه الآيات نزلت في رجل من بنى اميّة كان واقفا إلى جنب النبي ، فلمّا أقبل ابن أمّ مكتوم تقذّر وجمع نفسه وعبس وتولّى . فحكى اللّه ذلك وأنكره معاتبا له . « 4 » قال الطبرسي : وقد روي عن الصادق عليه السّلام : أنّها نزلت في رجل من بني اميّة كان عند النبي ، فجاء ابن أمّ مكتوم ، فلمّا رآه تقذّر منه وجمع نفسه وعبس وأعرض بوجهه عنه ، فحكى اللّه سبحانه ذلك وأنكره عليه . قال : ولو صحّ الخبر الأوّل لم يكن العبوس ذنبا ، إذ العبوس والانبساط مع الأعمى
--> ( 1 ) الشعراء 26 : 215 ، مكّية ، رقم نزولها : 47 . ( 2 ) تقدّم قريبا أنّه كان ابن خال خديجة رضوان اللّه عليها . ( 3 ) الأنعام 6 : 52 . ( 4 ) تفسير التبيان ، ج 10 ، ص 268 - 269 بتصرّف يسير .