محمد هادي معرفة
285
شبهات وردود حول القرآن الكريم
سواء ، إذ لا يرى ذلك فلا يشقّ عليه . فيكون قد عاتب اللّه سبحانه نبيّه بذلك ، ليأخذه بأوفر محاسن الأخلاق ، وينبّهه على عظيم حال المؤمن المسترشد ، ويعرّفه أنّ تأليف المؤمن ليقيم على إيمانه أولى من تأليف المشرك طمعا في إيمانه . قال : وقال الجبّائي : في هذا دلالة على أنّ الفعل إنّما يكون معصية فيما بعد لا في الماضي ، فلا يدلّ على أنّه كان معصية قبل النهي عنه . ولم ينهه صلّى اللّه عليه وآله إلّا في هذا الوقت . وقيل : إنّ ما فعله الأعمى كان نوعا من سوء الأدب ، فحسن تأديبه بالإعراض عنه . إلّا أنّه كان يجوز أن يتوهّم أنّه أعرض عنه لفقره ، وأقبل عليهم لرئاستهم تعظيما لهم ، فعاتبه اللّه على ذلك . قال : وروي عن الصادق عليه السّلام أنّه قال : كان رسول صلّى اللّه عليه وآله إذا رأى عبد اللّه بن أمّ مكتوم قال : مرحبا مرحبا ، لا واللّه لا يعاتبني اللّه فيك أبدا ، وكان يصنع به من اللّطف حتى كان ( ابن أمّ مكتوم ) يكفّ عن النبيّ ممّا يفعل به ، « 1 » أي كان يمسك عن الحضور لديه استحياء منه . قلت : الأمر كما ذكره هؤلاء الأعلام ، من أنّها فعلة لا تتناسب ومقام الأنبياء ، فكيف بنبيّ الإسلام المنعوت بالخلق العظيم ؟ ! فضلا عن أنّ سياق السورة يأبى إرادة النبيّ في توجيه الملامة إليه . ذلك : أنّ التعابير الواردة في السورة ثلاثة « عبس » ، « تولّى » ، « تلهّى » . الأوّلان بصيغة الغياب والأخيرة خطاب . على أنّ الأوّلين ( عبس وتولّى ) فعلان قصديّان ( يصدران عن قصد وإرادة وعن توجّه من النفس ) . والأخير ( تلهّى ) فعل غير قصديّ ( صادر لا عن إرادة ولا عن توجّه من النفس ) . فإنّ الإنسان إذا توجّه بكلّيّته إلى جانب فإنّه ملته عن الجانب الآخر ، على ما تقتضيه طبيعة النفس الإنسانية المحدودة ، لا يمكنه التوجّه إلى جوانب عديدة في لحظة واحدة ! إنّما هو اللّه ، لا يشغله شأن عن شأن ! وهذا الفعل الأخير كان قد توجّه الخطاب - عتابا - إلى النبيّ ، لانشغاله بالنجوى مع القوم وقد ألهاه ذلك عن الإصغاء لمسألة هذا الوارد ، من غير أن يشعر به . فهذا ممّا يجوّز توجيه الملامة إليه صلّى اللّه عليه وآله : كيف يصرف بكلّ همّه نحو قوم هم ألدّاء ،
--> ( 1 ) مجمع البيان ، ج 10 ، ص 437 .