محمد هادي معرفة

215

شبهات وردود حول القرآن الكريم

والنفث في العقد فإنّما هم أصحاب النمائم وإيحاء الوساوس للتفرقة بين الزوجين أو المتحابّين ، ولا يتأتّى منه غير الإفساد في الأرض ، فيتعمّلون ما يضرّهم من غير أن ينفعهم شيئا حسبما وصفهم القرآن الكريم . نعم هنا شيء لا ننكره نبّهنا عليه ، وهو : أنّ للنفوس البشرية قدرة خارقة يمكن تنميتها بالارتياض إمّا في وجهة رحمانية رفيعة أو في وجهة أرضية هابطة . والأولى رياضة النفس يقوم بها الأنبياء والأولياء والصلحاء فيفوزون بمقامات عالية ، وربّما تتسخّر لهم الكائنات . وأمّا الوجهة الأخرى الهابطة فيقوم بها أصحاب الارتياض بترك المشتهيات ولذائذ الحياة في أشقّ الأحوال وأصعب الأعمال التي لم يأت بها اللّه من سلطان ، ولكنّهم قهروا أنفسهم على نبذ الشهوات واللذائذ وانخلعوا عن زخارف الحياة . وهو عمل له قيمته ووزنه في ترك الدنيا الدنية ، وحيث لم يكن لهم نصيب في الحياة الأخرى الخالدة فقد يمنحه تعالى منحة تقتنع أنفسهم بها تجاه ما تحمّلوا من مشاقّ الحياة . الأمر الذي قد نشاهده من خوارق على يد مرتاض الهند وغيرها من بلاد ، ولكن في إطار محدود وعلى شريطة أن لا يزاولوها عن جهة الفساد في الأرض ، وإلّا فيؤخذ منهم فور إرادة السوء . نظير ما قيل بشأن « بلعام بن باعورا » . قيل : كان رجلا صالحا من قوم موسى ، وقد منحه اللّه استجابة دعائه ، فحاول تقرّبا إلى بعض الأمراء أن يدعو على قوم مؤمنين ، فسلبه اللّه المنحة وظلّ خاسرا دينه ودنياه . قيل : والآية التالية ناظرة إلى هذا الحادث : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ . وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ . « 1 » أمّا العامل بالشرط ولم يتجاوز حدوده المضروبة فستدوم له منحته ما دام باقيا على عهده ، أو يسلم فتدّخر له مثوبته في الدار العقبى مثوبة باقية . روي أنّ شيخا من الأكابر رأى في طريقه لمّة مجتمعة حول رجل فسأل عنه ، قيل له : إنّه يعلم الغيب . فأتاه وسأله عن شيء أخفاه في كفّه فأخبره به . فسأله الشيخ عن أيّ

--> ( 1 ) راجع : جامع البيان ، ج 9 ، ص 82 - 84 والآية 175 و 176 من سورة الأعراف .