محمد هادي معرفة
112
شبهات وردود حول القرآن الكريم
1 - مجاراة في الاستعمال هل كان التكلّم بلسان قوم يستدعي الاعتراف بما تحمله لغتهم من ثقافات ؟ أم كان لا يعدو سوى المجاراة معهم في الاستعمال ؟ الثاني هو الصحيح الواقع . ذلك أنّ المحاورة لأجل التفاهم في أيّ لغة لا يستدعي سوى العلم بمعاني الكلم الإفرادية والجملية في الاستعمال الدارج فعليّا لدى القوم ، فكان ينبغي المماشاة معهم ومجاراتهم في تبادل المفاهيم حسبما يتعاهدونه الآن ، من غير نظر إلى أصل الوضع والدواعي التي دعت إلى وضع كلّ لفظة لمعنى خاصّ . فإنّ هذه الدواعي كانت ملحوظة لدى الوضع ولا تلحظ حين الاستعمال ، وربّما كان مستعملو اللفظة في ذهول عن الأسباب الداعية للأوضاع الخاصّة الأوّلية . خذ مثلا لفظة « المجنون » وضعت للمصاب بداء توتّر الأعصاب ، وكان السبب الداعي لهذا الوضع في حينه اعتقاد أنّه أصيب بمساس الجنّ ، ومن ثمّ كانوا في العهد القديم يعالجون المصابين بهذا الداء بالرقى والتعاويذ لغرض إبعاد الجنّ عنهم فيما زعموا . واليوم أصبحت هذه العقيدة خرافة ، غير أنّ أبناء اللغة لا يزالون يتداولون اللفظة لغرض التفاهم مع بعضهم ، حيث اللفظة أصبحت مجرّد علامة للدلالة على هذا المعنى بمفهومه الجديد لا الخرافة البائدة ، وإن كانت هي السبب للوضع في وقته ، غير أنّه غير ملحوظ بل مرفوض في الاستعمال حاليّا . والصحراء القاحلة سمّيت « مفازة » تفاؤلا ، وتتداول التسمية من غير أن تلحظ فيها ذاك التفاؤل الملحوظ عند الوضع . أو من سمّى ابنه جميلا لما يرى عليه مسحة جمال ، وغيره ممّن يستعمل اللفظة إنّما يستعملها لأنّها علم عليه ، رغم عدم لحاظ جمال فيه أو كان يرى العكس . ذلك لأنّ التسمية تحقّقت وأصبح الاسم علما له من غير أن يحمل مفهومه الملحوظ عند التسمية . وعليه ، فالاستعمالات الدارجة تابعة لمداليل الألفاظ كعلائم على المعاني محضا ، ولا تلحظ الدواعي والمناسبة الأوّلية التي لاحظها الواضع حين الوضع .