محمد بيومي مهران

98

دراسات تاريخية من القرآن الكريم

حدثنا أن نوحا كان رسولا من رب العالمين ، وأنه قضى من الزمن ما شاء اللّه له أن يقضي في دعوة قومه إلى عبادة اللّه الواحد القهار ، وأن اللّه - جل وعلا - لم يأت بالطوفان إلا بعد أن تحمل النبي الكريم في دعوته كل صنوف الأذى والاضطهاد ، وإلا بعد أن جرّب نبي الكريم كل سبل الإقناع ، دونما أية نتيجة ، « قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهاراً ، فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً ، وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً ، ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهاراً ، ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً ، فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً » « 1 » ، وإلا بعد أن يئس النبي الكريم من أن يؤمن به قومه ، فدعا « رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً ، إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً » « 2 » ، وإلا بعد أن أوحى اللّه إليه « أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ » « 3 » ، وهكذا اتبع نبي اللّه الكريم كل ما يمكن اتباعه تصديقا لقوله تعالى : « وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا » « 4 » . ومنها ( ثانيا ) أن الناجين من الطوفان في القصة القرآنية ، إنما نجو لأنهم آمنوا باللّه العزيز الحكيم ، وصدقوا بدعوة نوح عليه السلام ، بعكس النصوص الأخرى التي جعلت نجاتهم ، إنما ترجع إلى أنهم من أهل بطل القصة وذوي قرباه ، ويزيد القرآن الكريم الأمر وضوحا في هذه النقطة بالذات ، فيقص علينا - من بين ما يقص من أحداث - ما حدث مع ابن نوح ، وكيف كان من الغارقين ، ثم كيف « نادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ ، قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ ، فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ ، قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ » « 5 » . وهكذا يبدو واضحا المبدأ القرآني العظيم « مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ » ، « وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى » ، « فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ » « 6 » .

--> ( 1 ) سورة نوح : آيات 5 - 10 . ( 2 ) سورة نوح : آية 26 ، 27 . ( 3 ) سورة هود : آية 36 . ( 4 ) سورة الإسراء : آية 15 . ( 5 ) سورة هود : آيات 45 - 47 . ( 6 ) سورة الزلزلة : آية 7 ، 8 .