محمد بيومي مهران
99
دراسات تاريخية من القرآن الكريم
ومنها ( ثالثا ) أن زوجة بطل القصة في النصوص السومرية والبابلية - وكذا في نص التوراة - تنجو من الطوفان مع الناجين ، ولكن القرآن الكريم كان وحده هو الذي أخبرنا أن زوج النبي الكريم لم تكن من المؤمنين به « ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ » « 1 » ، ولا شأن لنا بروايات ذهبت إلى غير ما ذهب إليه النص القرآني الكريم ، فإنما هي اجتهادات على مسؤولية أصحابها ، وهي قبل ذلك باطلة لمخالفتها للقرآن الكريم . ومنها ( رابعا ) أن النص القرآني هو النص الوحيد الذي يتفق إلى حد كبير - مع الفارق الشاسع بين ما أنزله اللّه وما كتبته أيدي البشر - مع أقدم نصوص قصة الطوفان في أن الطوفان إنما بدأ وانتهى - أو على الأقل انتهى - في العراق ، وذلك حين « غِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ » . ومنها ( خامسا ) أن النص القرآني هو النص الوحيد الذي تسامى عن مهاوي الشرك وضلال الوثنية ، فهو في صراحة تامة يذكر أن القوم قد حادوا عن عبادة ربهم وانصرفوا إلى عبادة الأوثان ، وفي كل هذا يقدم لنا وصفا للّه سبحانه وتعالى - بما يتفق ومقام الذات العلية - فلا يتنزل إلى الدرك الأسفل من التفكير الوثني في قصص العراق القديم ، أو يصف اللّه سبحانه وتعالى بما وصفته التوراة من أوصاف لا يرتضيها عقل ولا يقرها منطق ، بل هي أوصاف لا يرتضيها عقلاء الناس لأنفسهم في كثير من الأحيان . ومنها ( سادسا ) أن النص القرآني الكريم هو النص الوحيد الذي تنزه عن التناقض الذي ساد قصة التوراة مثلا . ومنها ( سابعا ) أن النص القرآني هو الوحيد الذي نزّه اللّه سبحانه وتعالى عن الندم على إحداث الطوفان ، بعكس النصوص الأخرى التي ذهبت إلى ندم اللّه - أو الآلهة في النصوص البابلية - على الإتيان بالطوفان ، بل ذهبت التوراة إلى أبعد من ذلك ، حين زعمت أن اللّه - تعالى عن ذلك علوا كبيرا - قد عزم ألا يحدث طوفانا بعد ذلك ،
--> ( 1 ) سورة التحريم : آية 10 .