محمد بيومي مهران

91

دراسات تاريخية من القرآن الكريم

ثم يرحم أحدا من طوفان نوح حتى الأطفال ، أنه نفسه - فيما أظن - دليل على أن الغارقين إنما كانوا من قوم نوح ، وليس من كل بقاع الأرض ، ولنقرأ الحديث الشريف - حيث التركيز على كلمة قوم - « فلو رحم اللّه من قوم نوح أحدا لرحم أم الصبي » . ومنها ( تاسعا ) أن الذين ينادون بعالمية الطوفان « 1 » هم أنفسهم الذين يرون أن الفترة ما بين آدم ونوح عليهما السلام ، تقارب عشرة قرون ، فإذا كان المراد بالقرن مائة سنة - كما هو معروف - فبينهما ألف سنة ، وإن كان المراد بالقرن الجيل من الناس ، فقد كان الجيل قبل نوح يعمرون الدهور الطويلة ، فعلى هذا يكون بين آدم ونوح ألوف من السنين ، بل إن بعضهم يذهب إلى أنه ما كان في زمن نوح شبر من الأرض إلا وهناك إنسان يدعيه ، وهناك رواية تنسب إلى الإمام مالك - عن زيد بن أسلم - أن أهل ذلك الزمان قد ملئوا السهل والجبل ، فهل يتفق ذلك مع رأي آخر لهم هو أن العالم كان في تلك الفترة قليل السكان بدرجة يستطيع أن يبلغ فيها دعوته للناس كافة ، وبالتالي فإن الكافرين به قد انتشروا في كل أنحاء المعمورة ، مما يستدعي أن يكون الطوفان عاما ، ثم ما علاقة ذلك بفكرة العشرة الأجيال ، أو رؤساء الآباء ، ما بين آدم ونوح التي جاءت في التوراة « 2 » ، بل ما علاقة الأخيرة بالعشرة الحكام الذين سبقوا الطوفان ، كما يقدمهم المؤرخ البابلي بيروسوس « 3 » ؟ ومنها ( عاشرا ) أن الرواية التي تذهب إلى أن الطوفان قد حدث في العام الستمائة من حياة نوح - وتلك للعلم منقولة عن التوراة « 4 » - وفي عام 2256 بعد هبوط آدم

--> ( 1 ) القرطبي : المرجع السابق ص 3259 ، وكذلك الطبري : المرجع السابق ص 178 ، 190 ، وكذلك ابن كثير : البداية والنهاية ص 101 . ( 2 ) تكوين 5 : 5 - 32 ، وهم كالآتي : آدم وعاش 930 سنة ، وشيث وعاش 912 سنة ، وأنوش وعاش 905 سنة ، وقينان وعاش 910 سنة ، ومهلائيل وعاش 895 سنة ، ويارد وعاش 962 سنة ، وأخنوخ وعاش 365 سنة ، ومتوشالح وعاش 969 سنة ، ولامك وعاش 595 سنة ، ونوح وعاش 950 سنة . ( 3 ) j . finegan , op . cit . , p . 30 . وكذا G . A . Baton , op . cit . , P . 320 . ( 4 ) تكوين 7 : 6 .