محمد بيومي مهران

92

دراسات تاريخية من القرآن الكريم

إلى الأرض ، ألا تكفي كل هذه السنين لإيجاد أقوام غير قوم نوح في هذه الدنيا ؟ أم أن الأمر كان مقصورا على قوم نوح ؟ وإذا كان طوفان نوح قد حدث في الفترة التي تسبق بداية العصر التاريخي في العراق القديم ، والتي يرى علماء الآثار أنها قد حدثت في حوالي عام 2700 ق . م « 1 » ، فإن عصور ما قبل الطوفان تزيد بآلاف السنين عما قدره علماء التوراة ، ونقله عنهم أصحاب هذه الروايات . ومنها ( حادي عشر ) أن اللّه سبحانه وتعالى يقول في القرآن الكريم « قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ » « 2 » ، ألا يفهم من قوله تعالى « أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ ، وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ » أن هناك آخرين لم يشملهم طوفان نوح ، وأن اللّه سبحانه وتعالى سيمتعهم إلى حين ، ثم يمسهم عذاب أليم ؟ . ومنها ( ثاني عشر ) أن المفسرين والمؤرخين الإسلاميين أنفسهم يكادون يجمعون على أن الطوفان إنما بدأ وانتهى في العراق القديم ، فهناك رواية مجاهد والشعبي التي تذهب إلى أن التنور إنما كان بأرض الكوفة ، ورواية قتادة من أنه كان بأرض الجزيرة ، فضلا عن رواية ثالثة تذهب إلى أن سفينة نوح قد بدأت رحلتها من « عين وردة » ، وعين وردة هذه - كما يقول ياقوت الحموي - رأس عين المدينة المشهورة في الجزيرة « 3 » ، فإذا أضفنا إلى ذلك ما جاء في القرآن الكريم من أن سفينة نوح قد استوت على الجودي - والجودي جبل يقع شرق جزيرة ابن عمر إلى جانب دجلة عند الموصل - فإذا كانت كل هذه الأماكن التي ذكرت إنما تقع في العراق ، فمن البدهي أن رحلة سفينة نوح إنما بدأت وانتهت في العراق .

--> ( 1 ) G . Roux , Ancient Iraq , 1966 , P . 119 - 120 . وكذلك - Sir Leonard Woolley , Excav ations At Ur , P . 16 . ( 2 ) سورة هود : آية 48 . ( 3 ) ابن كثير : البداية والنهاية ص 111 ، وكذلك ابن الأثير : المرجع السابق ص 70 وكذلك الطبري : المرجع السابق ص 190 .