محمد بيومي مهران

53

دراسات تاريخية من القرآن الكريم

نجاته من الطوفان نبيذ العنب الذي غرس كرمه بيده ، ففقد وعيه وانكشفت سوأته ، فرآه ابنه حام على هذه الصورة فسخر منه وحمل الخبر إلى أخويه سام ويافث ، ولكن هذين كانا أكثر منه أدبا ، فحملا رداء وسارا به القهقرى نحو أبيهما وسترا عورته دون أن يبصراها ، فلما أفاق نوح من خمره ، وبان له ما فعله به حام ، لعن كنعان ودعا على نسله أن يكونوا عبيدا لعبيد أولاد سام ويافث « 1 » . وعاش نوح بعد الطوفان ثلاثمائة وخمسين سنة ، فكانت كل أيام نوح تسع مائة وخمسين سنة ومات « 2 » . 1 - مناقشة قصة التوراة عن الطوفان : يجمع نقاد التوراة ( العهد القديم ) « 3 » ، على أن أسطورة الطوفان العبرية كما هي مدونة في سفر التكوين تجمع بين قصتين متميزتين في أصلهما ، ومتناقضتين تناقضا جزئيا ، وقد مزج المؤلف بين القصتين لكي يكون منهما قصة واحدة متجانسة من ناحية الشكل ، ومع ذلك فقد مزج المؤلف بينهما بطريقة فجة للغاية ، بحيث لا يفوت القارئ ما فيهما من تكرار وتناقض ، حتى وإن كان القارئ غير مدقق في قراءته « 4 » . وأما هذان المصدران اللذان أخذ سفر التكوين قصة الطوفان عنهما ، فأولهما : المصدر اليهوي « Jahvistic Document » ويرمز له بالحرف « J » ، وربما ألف حوالي عام 850 ق . م في يهوذا ، وسمي كذلك لأنه يستعمل اسم العلم « يهوه » ، وأما ثانيهما فهو المصدر الكهنوتي « Priestly Document » ويرمز له بالحرف

--> ( 1 ) تكوين 9 : 20 - 27 وكذلك علي عبد الواحد وافي : الأسفار المقدسة ص 32 . ( 2 ) تكوين 9 : 28 ، 29 . ( 3 ) التوراة : كلمة عبرانية تعني الهداية والإرشاد ، ويقصد بها الأسفار الخمسة الأولى ( التكوين والخروج واللاويين والعدد والتثنية ) والتي تنسب إلى موسى - عليه السلام - وهي جزء من العهد القديم ، والذي يطلق عليه تجاوزا اسم « التوراة » من باب اطلاق الجزء على الكل ، أو لأهمية التوراة ونسبتها إلى موسى - والتوراة ، أو العهد القديم - تمييزا له عن العهد الجديد ( كتاب المسيحيين المقدس ) - هو كتاب اليهود الذي يضم إلى جانب تاريخهم ، عقائدهم وشرائعهم ، ويقسمه أحبار اليهود إلى ثلاثة أقسام : الناموس والأنبياء والكتابات ( راجع كتابنا إسرائيل ص 19 وما بعدها ) . ( 4 ) جيمس فريزر : المرجع السابق ، ص 106 .