محمد بيومي مهران
30
دراسات تاريخية من القرآن الكريم
إلى « غينيا الشمالية » فهي أسطورة أكثر منها قصة ، اختلطت فيها الخرافات بالمعجزات حتى بات من الصعب علينا مقارنتها بغيرها من قصص الطوفان ، هذا إلى أنها نقلت إلينا عن طريق المبشرين الأوربيين ، حتى أصبحنا لا نستطيع الحكم عليها وإرجاعها إلى أصل غيني أو أوربي ، أضف إلى ذلك أن هناك رواية أخرى تذهب إلى أن الرجال قد تحولوا بعد الطوفان إلى قرود ، كما تحولت النساء إلى سحالي ، وأن ذيل القرد هو بندقية الرجل ، مما يدل بوضوح على مدى التأثير الأوروبي الحديث في هذه الأسطورة الإفريقية عن الطوفان ، كما أن الروايات التي اكتشفها الكتاب الألمان عن الطوفان الكبير بين سكان إفريقيا الشرقية ليست سوى روايات مختلفة لقصة الطوفان في الكتاب المقدس ( التوراة والإنجيل ) والتي تسربت إلى هؤلاء البدائيين عن طريق المسيحيين « 1 » . وبديهي أننا لن نناقش هنا كل القصص والأساطير التي دارت حول الطوفان الكبير الذي أغرق العالم ، ولكننا سوف نقتصر على دراسة قصة الطوفان في منطقة الشرق الأدنى القديم ، سواء تلك القصص التي روتها المصادر التاريخية ، أو تلك التي تحدثت عنها الكتب المقدسة - التوراة والإنجيل والقرآن العظيم - وكلها - دون استثناء - أنزلت على أرض هذا الشرق القديم ، كما أنه ليس واحدا من أصحابها - صلوات اللّه وسلامه عليهم - إلا وكان من هذا الشرق الخالد . ولعل الذي دفعني إلى دراسة هذا الموضوع إحساس عميق بأن تنال الموضوعات التاريخية المتصلة بالكتب المقدسة قسطا وافرا من المؤرخين المسلمين ، بعد أن ظل الميدان في العصر الحديث يكاد يكون مقصورا على الغربيين من يهود ونصارى ، وساعدني على هذه المحاولة تخصصي في التاريخ القديم ، فضلا عن دراسات إسلامية قضيت فيها الشطر المبكر من حياتي العلمية ، وإن كنت لا أزعم لنفسي فيها - بحال من الأحوال - مكانة تعدو مكانة عامة المسلمين الذين تعلموا من أمور دينهم القدر الذي يتعرفون به عليه ، وإن كان مما لا ريب فيه أنه لا يصل بهم إلى مكانة الخاصة من المتخصصين في دراسات القرآن الكريم والحديث الشريف وعلومهما ، ثم كان لوجودي بين أعضاء
--> ( 1 ) جيمس فريزر : المرجع السابق ص 201 - 202 .