محمد بيومي مهران

149

دراسات تاريخية من القرآن الكريم

وعلى أية حال ، فإن هذا الملك المنكر المتعنت ، إنما ينكر ويتعنت للسبب الذي كان ينبغي من أجله أن يؤمن ويشكر ، هذا السبب هو « أن آتاه اللّه الملك » ، وجعل في يده السلطان « 1 » ، أو كما يقول الأستاذ الإمام محمد عبده : إن الذي حمله على هذه المحاجة هو إيتاء اللّه تعالى الملك له ، فكان منشأ إسرافه في غروره ، وسبب كبريائه وإعجابه بقدرته « 2 » ، مع أن المفروض أن يشكر ويعترف بنعمة اللّه عليه ، لولا أن الملك يطغى ويبطر من لا يقدرون نعمة اللّه ، ولا يدركون مصدر الإنعام ، ومن ثم يصنعون الكفر في موضع الشكر ، ويضلون بالسبب الذي كان ينبغي أن يكونوا مهتدين ، فهم حاكمون لأن اللّه حكّمهم ، وهو لم يخولهم استعباد الناس بقسرهم على شرائع من عندهم ، فهم كالناس عبيد اللّه ، يتلقون مثلهم الشريعة من اللّه ، ولا يستقلون دونه بحكم ولا تشريع ، فهم خلفاء لا أصلاء ، ومن ثم يعجب اللّه من أمره ، وهو يعرضه على نبيه « 3 » . هذا ويروي المفسرون في سبب هذه المحاجة روايتين ، إحداهما : أنهم خرجوا إلى عيد لهم ، فدخل إبراهيم على أصنامهم فكسرها ، فلما رجعوا قال لهم : أتعبدون ما تنحتون ، فقال : فمن تعبد ، قال : أعبد ربي الذي يحيي ويميت ، وقال بعضهم أن نمرود كان يحتكر الطعام ، فكانوا إذا احتاجوا إلى الطعام يشترونه منه ، فإذا دخلوا عليه سجدوا له ، فدخل إبراهيم فلم يسجد له ، فقال : ما لك لا تسجد لي ، قال : أنا لا أسجد إلا لربي ، فقال له نمرود : من ربك ، قال إبراهيم : ربي الذي يحيي ويميت ، وذكر زيد بن أسلم أن النمرود هذا قعد يأمر الناس بالميرة ، فكلما جاء قوم يقول : من ربكم وإلهكم ، فيقولون أنت ، فيقول : ميروهم ، وجاء إبراهيم عليه السلام

--> ( 1 ) في ظلال القرآن 1 / 297 . ( 2 ) تفسير المنار 11 / 39 ، وانظر : تفسير النسفي 1 / 130 ، صفوة التفاسير 1 / 165 ، تفسير الطبري 5 / 431 . ( 3 ) في ظلال القرآن 1 / 7297 .