محمد بيومي مهران

150

دراسات تاريخية من القرآن الكريم

يمتار فقال له : من ربك وإلهك ، فقال : ربي الذي يحيي ويميت ، فلما سمعها نمرود قال : أنا أحي وأميت ، فعارضه إبراهيم بأمر الشمس فبهت الذي كفر ، وقال : لا تميروه ، فرجع إبراهيم إلى أهله دون شيء ، فمر على كثيب رمل كالدقيق ، فقال في نفسه : لو ملأت غرارتي من هذا ، فإذا دخلت به فرح الصبيان حتى أنظر لهم ، فذهب بذلك ، فلما بلغ منزله فرح الصبيان وجعلوا يلعبون فوق الغرارتين ، ونام هو من الإعياء ، فقالت امرأته : لو صنعت له طعاما يجده حاضرا إذا انتبه ، ففتحت إحدى الغرارتين فوجدت أحسن ما يكون من الحواري ( الدقيق الأبيض ، وهو لباب الدقيق وأجوده وأخلصه ) فخبزته ، فلما قام وضعته بين يديه فقال : من أين هذا ؟ ، فقالت : من الدقيق الذي سقت ، فعلم إبراهيم أن اللّه تعالى يسر لهم ذلك « 1 » . وأما وقت هذه المحاجة فهو موضع خلاف ، فذهب رأي إلى أن ذلك إنما كان بعد أن كسر إبراهيم الأصنام التي كانت تعبد من دون اللّه ، وسفه أحلام عابديها « 2 » ، وذهب رأي آخر إلى أنها كانت بعد خروج إبراهيم من النار ، ولم يكن إبراهيم اجتمع بالملك إلا في ذلك اليوم ، فجرت بينهما هذه المناظرة « 3 » ، على أنه قد يفهم من رواية ابن الأثير أن ذلك كان قبل تكسيره الأصنام « 4 » . وأما هذا الملك الذي حاج إبراهيم في ربه ، فهو ، فيما يرى كثير من المفسرين والمؤرخين ، « النمرود بن كنعان بن كوش » ، والذي كان ، فيما يزعمون ، واحدا من ملوك أربعة ملكوا الأرض كلها : نمرود وبختنصر

--> ( 1 ) تفسير القرطبي ص 1092 - 1093 ، وانظر : تفسير الطبري 5 / 433 - 434 ، تفسير ابن كثير 1 / 469 . ( 2 ) تفسير المنار 11 / 39 . ( 3 ) تفسير ابن كثير 1 / 469 . ( 4 ) ابن الأثير : الكامل في التاريخ 1 / 96 .