محمد بيومي مهران
39
دراسات تاريخية من القرآن الكريم
ومنها رابعا قوّى اللّه تعالى ملكه وجعله منصورا على أعدائه ، مهابا في قومه ، قال تعالى : وَشَدَدْنا مُلْكَهُ ، ويذهب بعض المفسرين في معنى الآية الكريمة أن اللّه قواه وجعله منصورا على جميع أعدائه ومناوئيه ، فكان لا يقوم له معارض إلا غلبه ، قال مجاهد : كان أشد أهل الدنيا سلطانا ، وقال السّدي : كان يحرسه كل يوم أربعة آلاف ، وقال بعض السلف بلغني أنه كان يحرسه في كل ليلة ثلاثة وثلاثون ألفا ، وقال غيره أربعون ألفا ، وقد ذكر ابن جرير وابن أبي حاتم رواية عن ابن عباس أن نفرين من بني إسرائيل استعدى أحدهما على الآخر إلى داود عليه الصلاة والسلام أنه اغتصبه بقرا ، فأنكر الآخر ولم يكن للمدعي بيّنة فأرجأ أمرهما ، فلما كان الليل أمر داود عليه السلام في المنام بقتل المدعي ، فلما كان النهار طلبهما وأمر بقتل المدعي ، فقال يا نبيّ اللّه علام تقتلني وقد اغتصب هذا بقري ، فقال له إن اللّه تعالى أمرني بقتلك فأنا قاتلك لا محالة ، فقال واللّه يا نبي اللّه إن اللّه لم يأمرك بقتلي لأجل هذا الذي ادعيت عليه ، وإني لصادق فيما ادعيت ، ولكني كنت قد اغتلت أباه وقتلته ولم يشعر بذلك أحد ، فأمر به داود عليه السلام فقتل ، قال ابن عباس : فاشتدت هيبته في بني إسرائيل ، وهو الذي يقول اللّه عز وجل : وَشَدَدْنا مُلْكَهُ « 1 » ، وعلى أي حال فإن التاريخ يحدثنا أن اللّه تعالى كتب له النصر المبين على الفلسطينيين أقوى أعدائه وأكثرهم أهمية ، وأشدهم خطرا كما كتب له نجحا بعيد المدى في طردهم من مناطق بني إسرائيل ، بل إنه وصل إلى مدنهم ذاتها ، كما كتب له نصرا مؤزرا على ممالك مؤاب وعمون وأدوم ، فضلا عن الآراميين « 2 » ، كما سنفصل ذلك في الفصل التالي .
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير : 4 / 46 - 47 ( دار الكتب العلمية - بيروت 1986 ) ، تفسير النسفي : 4 / 36 ( ط دار الفكر ) . ( 2 ) انظر التفصيلات عن دولة داود عليه السلام ( محمد بيومي مهران إسرائيل : 2 / 693 - 734 ) .