محمد بيومي مهران

217

دراسات تاريخية من القرآن الكريم

وهكذا نرى العلماء يختلفون في تفسيرهم لألوهية الملك المصري ، وكيف نشأت ؟ وكيف اقتنع المجتمع المصري وآمن بألوهية ملوكه ؟ وإذا أردنا مناقشة هذا كله ، لرأينا أن الأسباب العسكرية لا تستطيع وحدها أن تصل بالمغلوبين إلى الإيمان بألوهية ملوكهم ، ذلك لأن الغزو قد يجبر قوما على الخضوع لآخرين ، وقد يجعل من زعيم المنتصرين « دكتاتورا » يأمر فيطيع المغلوبين ، ولكنه لا يجعل منه - بحال من الأحوال - إلها يؤمن الناس به ، كواحد من آلهتهم الأخرى ، وحتى لو آمنوا به في فترة الغزو - وفي أعقابه لفترة ما - فكيف تسنى لملوك مصر أن يجعلوا من ألوهيتهم عقيدة يؤمن بها الناس حتى نهاية العصور الفرعونية . وأما النظرية التي تجعل الصعاب التي لاقاها مؤسسوا الوحدة دافعا إلى القول بأن مصر يحكمها إله تتمثل فيه القوى التي تهيمن على القطرين ، فقد يكون الأمر كذلك إلى حد ما ، وفي هذه الحال ، فإن توطيد هذا المبدأ في جميع أنحاء البلاد إنما احتاج إلى وقت طويل ، حتى قبل القوم أن ذلك الإنسان الذي يحكمهم ليس بشرا ، بل هو من نوع آخر ، فلدينا ما يثبت أن الوحدة التي قامت في أول عصر التأسيس لم يكتب لها البقاء طويلا ، وإنما إنهارت في النصف الثاني من عصر الأسرة الثانية ، إذ تدلنا آثار الملك « خع سخم » - والتي تقتصر على مدينة « نخن » - على مدى جهوده في استرجاع الدلتا ، وتوطيد الوحدة ، والقضاء على الفتنة ، الأمر الذي تمّ على يد خلفه « خع سخموي » . وأما الرأي الذي جعل من العوامل الجغرافية - إلى جانب طريقة التفكير المصري - سببا في الإيمان بألوهية الفرعون ، فإنها تضعف كثيرا ، إذا ما تذكرنا أن ألوهية الملك المصري إنما كانت مرتبطة إلى حد كبير بتقدم البلاد وازدهارها - وليس بالعوامل الجغرافية فيها ، وأن أية فترة من الفترات