محمد بيومي مهران

218

دراسات تاريخية من القرآن الكريم

التي كان يضعف فيها الحكم ، كان القطران ينفصلان بعضهما عن البعض الآخر ، ولم يمسك عليهما وحدتهما إلا اعتمادهما المشترك على مياه النيل . وأما ذلك الرأي الذي أرجعها لأسباب دينية ، فهو في الواقع إنما يعتمد على الأساطير - أكثر من اعتماده على الأدلة التاريخية - إذ لو كان الأمر كذلك ، وكان مؤسس الوحدة معترفا بألوهيته على اعتبار أنه سليل الإله « حور » ، لما احتاجت الوحدة إلى كل هذه الحروب التي خاضها أبطال التوحيد ، من أمثال « عقرب » و « عحا » ، ولما احتاجت كذلك إلى جهود خلفائهم بعد النكسة التي أصيبت بها الوحدة في عصر الأسرة الثانية . وأما النظرية الاقتصادية ، فرغم أهمية ضمان توفير الأمن الاقتصادي وغيره من مظاهر الاستقرار في المجتمع ، على أساس إمكان توسط الفراعنة بعد حملهم لتلك الصفة الإلهية من أجل تحقيق ذلك ، فإن ذلك الأمر ليس بكاف لتعليل إيمان المصريين بألوهية ملوكهم ، إذ لو كان الأمر كذلك ، لكان ملوك العراق القديم أحق بالألوهية من ملوك مصر ، فبلاد الرافدين إنما كانت معرضة بصورة مستمرة ببتقلبات الجوية التي تحول دون الاستقرار والطمأنينة ، مما أدى إلى تعدد القوى الإلهية ، وظواهر التنبؤ والتمائم ، بينما كانت البيئة المصرية مطمئنة إلى حد كبير « 1 » . ومن ثم ، فالرأي عندي : أن هذه الأسباب مجتمعة هي التي عملت على تأليه الفرعون في أرض الكنانة ، وربما كانت هناك فكرة أصيلة عن الملكية الإلهية في مصر ، ولكنها فكرة غير منتظمة ، ثم جاءت الأسرة الأولى وانتهزت فرصة وجود هذا الرأي لتأييد النظام الجديد ، فرفعت الفرعون من رتبة بشر متميز - من الجائز أن ينازعه في سلطانه بشر آخر متميزون وأقوياء - إلى مرتبة « إله » لا يمكن منازعته ، وهكذا كانت عقيدة الملكية الإلهية ، كما

--> ( 1 ) رشيد الناضوري : التطور التاريخي للفكر الديني ص 161 ، 163 .