محمد بيومي مهران

202

دراسات تاريخية من القرآن الكريم

إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ « 1 » . ومن ثم فهناك ، فيما يرى صاحب الظلال ، أحد احتمالين ، فيما حدث بعد ذلك الأمر ، الأول أن فرعون الذي أصدر ذلك الأمر ، كان قد مات وخلفه ابنه أو ولي عهده ، وهذا ما تذهب إليه التوراة « 2 » ، ولم يكن الأمر منفذا في العهد الجديد ، حتى جاء موسى وواجه الفرعون الجديد ، الذي كان يعرفه وهو ولي للعهد ، ويعرف تربيته في القصر ، ويعرف الأمر الأول بتذبيح الذكور وترك الإناث من بني إسرائيل ، فحاشيته تشير إلى هذا الأمر ، وتوحي بتخصيصه لمن آمنوا بموسى ، سواء كانوا من السحرة أو من بني إسرائيل القلائل الذين استجابوا له على خوف من فرعون وملئه ، والاحتمال الثاني ، أنه كان فرعون الأول الذي تبنى موسى ما يزال ، على عرشه ، وقد تراخى في تنفيذ الأمر بعد فترة أو وقف العمل به بعد زوال حدته ، فالحاشية تشير بتجديده وتخص به الذين آمنوا مع موسى وحدهم للإرهاب والتخويف « 3 » . وأما قتل موسى عليه السلام ، فإنما هو جد صعب المنال ، وربما كان السبب في ذلك خوف الفرعون وملئه ، من حدوث هياج عام بين المصريين أنفسهم ، وخاصة بعد أن شاع وذاع ، وملأ الأسماع ، نبأ المعجزة الباهرة التي قهرت المهرة من السحرة وحمّلتهم على أن يؤمنوا ويعلنوا إيمانهم على رؤوس الأشهاد بهذه الصورة المؤثرة ، ومن ثم فأكبر الظن أن النبيين الكريمين لم تكن لهما قوة تحميهما ، في نظر فرعون ، إلا الخوف من هياج

--> ( 1 ) سورة القصص : آية 4 . ( 2 ) خروج 2 / 23 ، 4 / 19 ، ثم قارن : البداية والنهاية 1 / 250 . ( 3 ) في ظلال القرآن 5 / 3077 - 3078 .