محمد بيومي مهران

203

دراسات تاريخية من القرآن الكريم

الرأي العام ، إن صح هذا التعبير ، بعد أن سمع ما سمع ، ورأى ما رأى ، ومن يدري فقد يوحي هذا للجماهير بتقديس موسى واعتباره شهيدا ، والحماسة الشعورية له وللدين الذي جاء به ، ولعلنا نستطيع أن نلمس هذه المعارضة فيما حكاه القرآن عن فرعون حين قال ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ « 1 » ، فإن كلمة « ذرني » تفيد أنه كان هناك من يعوقونه أو يمنعونه أو يشيرون عليه بغير ما كان يرى ، وقد يكون بعض مستشاري الفرعون أحس في نفسه رهبة أن ينتقم إله موسى له أو يبطش بهم ، وليس هذا ببعيد ، فقد كان الوثنيون يعتقدون بتعدد الآلهة ، ويتصورون بسهولة أن يكون لموسى إله ينتقم له ممن يعتقدون عليه ، ويكون قول فرعون « وليدع ربه » ردا على هذا التلويح ، وإن كان لا يبعد أن هذه الكلمة الفاجرة من فرعون إنما كانت تبجحا واستهتارا ، لقي جزاءها في نهاية المطاف ، حيث أغرقه اللّه وجنده في البحر « 2 » . هذا فضلا عن أن هناك دليلا من القرآن يفيد أن هناك من يعارض في قتل موسى عليه السلام ، ذلك أن فرعون عندما ضاق ذرعا بموسى ، وعقد مع الملأ مؤتمرا للفتك به ، فوجئ بواحد من هذا الملأ يكتم إيمانه ، ينهض لمعارضة هذه الفكرة ويقول : أَ تَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ ، وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ ، وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ ، وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ ، إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ، يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ ، فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جاءَنا ، وهال فرعون ما سمع ، فأخذته العزة بالإثم ونفخ الشيطان في روحه ، فقال : ما أُرِيكُمْ إِلَّا ما أَرى ، وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ ، وعاد الرجل يعقب على كلام

--> ( 1 ) سورة غافر : آية 26 . ( 2 ) في ظلال القرآن 5 / 3078 .