محمد بيومي مهران

173

دراسات تاريخية من القرآن الكريم

وأن الظواهر وما وقع منه في اليوم التالي لا تقف إلى جانبه ، ومن ثم فقد تحقق موسى عليه السلام أنه مطلوب بدم القتيل ، وأدرك ألا مظنة من القصاص ، فلقد عرف الملأ من قوم فرعون أنها فعلة موسى ، وما من شك أنهم أحسوا فيها بسبح الخطر ، فهي فعلة طابعها التمرد والثورة ، والانتصار لبني إسرائيل ، ومن ثم فهي ظاهرة خطيرة تستحق التأمل ، ولو كانت جريمة قتل عادية ما استحقت أن يشتغل بها فرعون والملأ والكبراء ، فانتدبت يد القدر واحدا من الملأ ، الأرجح أنه الرجل المؤمن من آل فرعون الذي يكتم إيمانه ، والذي جاء ذكره في سورة غافر ، انتدبته ليسعى إلى موسى من أقصى المدينة ليبلغه بتآمر القوم ضده قبل أن يبلغوه ، قال تعالى : وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى ، قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ ، وقد سمى اللّه هنا التشاور ائتمارا ، لأن كلا من المتشاورين يأمر ويأتمر « 1 » ، وقد جاءت القصة كاملة في « حديث الفتون » الذي يروي قصة موسى عليه السلام ، وقد رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس « 2 » . وهكذا لم يكد موسى يسمع أن الملأ يأتمرون به ليقتلوه حتى عزم على التعجيل بالرحيل ، ولم يجد مع الخوف فرصة يتزود فيها لهذه الرحلة التي لم يكن يعرف مداها ولا منتهاها ، فلقد أوشك القوم أن يحدقوا به ، وأن يطبقوا عليه ، وأن يفتكوا به ، فلا مجال للتفكير فيما وراء ذلك من تعب يضنيه ،

--> ( 1 ) سورة القصص : آية 20 ، تفسير البيضاوي 4 / 125 ، أحمد عبد الحميد يوسف : المرجع السابق ص 97 - 99 ، في ظلال القرآن 5 / 2685 . ( 2 ) أنظر عن حديث الفتون المشهور ( ابن كثير : مختصر التفسير 2 / 457 - 481 ، البداية والنهاية 1 / 300 - 307 ، تاريخ الطبري 1 / 392 - 296 ، وأخرجه النسائي في سننه ، وابن جرير وابن حاتم في تفسيرهما ، وهو موقوف من كلام ابن عباس ، وليس فيه مرفوع إلا قليل منه ، كما يقول ابن كثير ) .