محمد بيومي مهران

174

دراسات تاريخية من القرآن الكريم

وجوع يذوبه ، ومسالك يقطعها ، ومهالك يرجو النجاة منها ، كان كل همه أن يفلت بعنقه من هؤلاء الذين يأتمرون به ليقتلوه ، فإن أعوزه الدليل بين متاهات السهول والتلال والجبال ، فلن يعوزه أن يلتمس في رحمة اللّه دليله وسبيله ، وإن كمن له الخطر في كل مكمن ومسكن ، فعساه يجد في رعاية اللّه ملاذه ومعاذه « 1 » ، وهكذا يخرج موسى من مصر هائما على وجهه في صحراوات سيناء المقفرة ، فارا مستوحشا ، خائفا من أن تناله هروات الشرطة من رجال « المجاي » الأشداء ، أو تصل إليه أيدي السلطات ، وكان في مصر شرطة منظمة يجند رجالها من قبائل « مدجا » على مقربة من الجندل الثاني « 2 » . ( 2 ) موسى في مدين : - ويكتب اللّه للنبي الكريم سيدنا موسى عليه السلام نجحا بعيد المدى في اجتياز القفار ، ملتمسا الأمن والسكينة والهدى ، حتى يصل إلى مدين ، عند خليج العقبة « 3 » ، حيث يجد هناك المأوى والأمان ، وهنا تبدأ حلقة جديدة من حياة موسى عليه السلام ، بدأت عندما ورد ماء مدين ، ورأى مشهدا لا تستريح إليه النفس ذات المروءة ، كنفس موسى ، رأى الرعاة الرجال يوردون أنعامهم لتشرب من الماء ، بينما هناك امرأتان تمنعان غنمهما عن ذلك ، مع أن الأولى أن تسقي المرأتان وتصدرا بأغنامهما أولا ، وأن يفسح

--> ( 1 ) عبد الرحيم فودة : المرجع السابق ص 161 . ( 2 ) أنظر : A . Gardiner , Egypt of the Pharoohs ، 101 . p ، 1961 . ( 3 ) عن : مدين القبيلة والموقع ( أنظر : محمد بيومي مهران : إسرائيل 2 / 558 - 561 ، دراسات تاريخية من القرآن 1 / 297 - 307 ) ، هذا وقد اختلف المفسرون في « اسم مدين » فذهب فريق إلى أنه اسم رجل في الأصل ، ثم كانت له ذرية ، فاشتهر في القبيلة كتميم وقيس وغيرهما ، وذهب آخرون إلى أنه اسم ماء نسب القوم إليه ، والأول أصح ، لأن اللّه تعالى أضاف الماء إلى مدين في قوله تعالى : « ولما ورد ماء مدين » ، ولو كان اسما للماء لكانت الإضافة غير صحيحة أو غير حقيقية ، والأصل في الإضافة التغاير حقيقة ، ( تفسير الفخر الرازي 25 / 64 ، ياقوت الحموي 5 / 77 - 78 ) .