محمد بيومي مهران

131

دراسات تاريخية من القرآن الكريم

ومنها ( خامسا ) ما تردده التوراة من أن يوسف إنما كان يتهم إخوته بأنهم « جواسيس جاءوا ليروا عورة الأرض » ، فضلا عن أن يوسف إنما كان يكرر القسم بحياة فرعون « 1 » ، الأمر الذي لا يتفق ومكانة النبوة بحال من الأحوال . بقيت نقطة أخيرة تتصل بذلك الاضطراب الواضح في قصة التوراة ، ففي سفر التكوين ( 37 : 26 - 28 ) نجد أن يهوذا هو صاحب الكلمة ، وقد اقترح على إخوته أن يبيعوا يوسف للإسماعيليين بعشرين مثقالا ، في حين نرى في نفس السفر ( 37 : 21 - 24 ) أن راوئين هو صاحب الصوت الأعلى ، يقترح إلقاءه في الجب فيوافق الجميع ، حيث يأخذه التجار المديانيون ، كما في ( تكوين 37 : 28 ) والأمر كذلك بالنسبة إلى بيعه إلى فوطيفار ، ففي أول القصة عن قوم من مدين « 2 » ، بينما هم في آخرها من الإسماعيليين « 3 » . وبعد : فهذه نظرة سريعة إلى الفروق بين قصص القرآن وروايات التوراة ، فإذا ما تذكرنا أن القرآن الكريم - كما هو معروف - جاء به محمد النبي الأمي ، الذي لا يكتب ولا يقرأ ، كما قال تعالى : وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ « 4 » ، مما يدل بوضوح لا لبس فيه ولا غموض - أن هذا القرآن من عند اللّه ، وأنه وإن اتفق مع التوراة في القليل ، فإنه يختلف معها في أكثر الكثير ، كما يدل كذلك على أن هذا النوع من العلم ما كان عند العرب ، وليس لهم به دراية ، وأخيرا فهو يدل على أن هذا القرآن ليس حديثا يفترى ، وليس أساطير الأولين اكتتبها ، ولا

--> ( 1 ) تكوين 42 : 9 - 16 . ( 2 ) تكوين 37 : 36 . ( 3 ) تكوين 39 : 1 . ( 4 ) سورة العنكبوت : آية 48 .