محمد بيومي مهران

127

دراسات تاريخية من القرآن الكريم

وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ « 1 » . وأما كيف عرف يوسف أن رائحته سترد على أبيه بصره الكليل ، فلقد سبق أن أشرنا أن ذلك مما علمه اللّه والمفاجأة تصنع في كثير من الحالات فعل الخارقة ، وما لها لا تكون خارقة ، ويوسف نبي رسول ، ويعقوب نبي رسول « 2 » . وأخيرا فإن القرآن الكريم إنما يختم قصة يوسف عليه السلام ، بقول اللّه تعالى : ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ ، أي ذلك الذي أخبرناك عنه يا محمد من أمر يوسف وقصته من الأخبار المغيبة التي لم تكن تعلمها قبل الوحي ، وإنما نعلمك نحن بها على أبلغ وجه ، وأدق تصوير ، ليظهر صدقك في دعوى الرسالة « 3 » . ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن التوراة إنما قد انفردت ، من دون القرآن الكريم ، بأمور ، تتفق في بعضها وخلق يهود ، وتبتعد في بعضها الآخر عن الحقائق التاريخية ، ومن هذه الأمور ( أولا ) أن التوراة في عرضها لقصة يوسف الصديق ، عليه السلام - بعكس القرآن الكريم - إنما تعطي تأكيدا يكشف عن مطامع يهود في مصر ، ولنقرأ هذا النص « خذوا أباكم وبيوتكم وتعالوا إليّ فأعطيكم خيرات أرض مصر ، وتأكلون دسم الأرض . . . خذوا لكم من أرض مصر عجلات لأولادكم ونسائكم واحملوا أباكم وتعالوا ، ولا تحزن عيونكم على أثاثكم ، لأن خيرات جميع أرض مصر لكم » « 4 » ، كما لم تهمل التوراة كذلك أن تؤكد أن رحلة هؤلاء المجهدين

--> ( 1 ) سورة يوسف : آية 93 - 96 . ( 2 ) في ظلال القرآن 4 / 2027 . ( 3 ) سورة يوسف : آية 102 ، صفوة التفاسير 2 / 69 . ( 4 ) تكوين 45 : 18 - 20 .