محمد بيومي مهران
58
دراسات تاريخية من القرآن الكريم
كذلك إلى أن نوحا إنما قدم الأضاحي للرب بعد نجاته ، وأن الرب ما لبث أن شمّ رائحة الشواء ، فسكن غضبه ، وتنسم رائحة الرضا « 1 » ، ويرد القرآن الكريم على فحش يهود هذا ، بقوله تعالى « لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها ، وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ » « 2 » ، ويقول تعالى « فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ « 3 » » ، وما أصدق القرآن الكريم حيث يختم هذه القصة بقوله تعالى « تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا ، فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ « 4 » » . وفي قصة أبي الأنبياء ، إبراهيم الخليل - عليه الصلاة والسلام - قد تفرد القرآن الكريم - دون غيره من الكتب المقدسة - بأن يقدم لنا الخليل - عليه السلام - في صورة المجاهد بنفسه وولده وماله لله ، والذي حطم الأصنام ، وتحدى الجبابرة الطغام ، وألقى من أجل دعوته في النار ، فأنجاه الله في كفاح طويل وجهاد موصول ، كان للناس إماما ، وعلى مدارجه أو من نسله درج الأنبياء « 5 » ، ومن أسف أن إبراهيم العظيم هذا ، لم تصوره التوراة إلا رجلا لا همّ له ، إلا جمع البقر والغنم ، والأتن والجمال ، والإماء والعبيد ، متخذا من الوسائل أحطها ، ومن الطرق أحقرها ، بل إن التوراة لم تجد وسيلة لجمع المال ، إلا أن تجعل أبا الأنبياء - وحاشاه أن يكون كذلك - وكأنما هو يتاجر بامرأته سارة ، متنقلا بها من بلد إلى بلد « 6 » . ومن الغريب المؤلم أن مفسري التوراة لم يحاولوا رد هذه الروايات
--> ( 1 ) تكوين 8 : 20 - 12 ، وأنظر عن رأى التوراة في نوح ( تكوين 9 : 20 - 27 ) ( 2 ) سورة الحج : آية 37 ( 3 ) سورة الحج : آية 28 ( 4 ) سورة هود : آية 49 ( 5 ) كمال عون : اليهود من كتابهم المقدس ص 107 ( 6 ) تكوين 12 : 10 - 20 ، 20 : 1 - 18