محمد بيومي مهران
59
دراسات تاريخية من القرآن الكريم
الكذوب ، وإنما جهدوا - قدر طاقتهم - لإثباتها ، وهم أول من يعلم أن التوراة - أو العهد القديم - غير موثوقة السند ، وراح بعضهم يتطاول على المقام السامي ، دونما أي حذر أو حيطة ، إثباتا لصحة نصوص التوراة ، فيما يزعمون « 1 » ، وكأن التوراة لا تكون كتابا مقدسا ، إلا إذا صورت المصطفين الأخيار ، من أنبياء الله الكرام في صورة مشوهة « 2 » . ويقدم لنا القرآن الكريم - بعكس التوراة تماما - خليل الرحمن ، وهو يترك موطنه الأصلي في حاران « 3 » ، مبشرا بدعوة التوحيد ، في مكان غير هذه الأرض ، التي لم تتقبل دعوته بقبول حسن ، وتقص علينا الآيات الكريمة من سورة مريم ، كيف بدأ إبراهيم دعوته مع أبيه ، يهديه بها صراطا مستقيما ، غير أن أباه قد رفض الدعوة ، بل وهدده إن لم ينته عنها ، ليرجمنه وليهجرنه مليا ، فما كان من الخليل ، تأدبا مع أبيه وحدبا عليه ، إلا أن يدعو له بالمغفرة ، وأن ينتظر إجابة دعوته إلى حين ، ولنقرأ هذه الآيات الكريمة : « وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا ، إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً ، يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا ، يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا ، يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا ، قالَ أَ راغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ ، لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا ، قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا ، وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
--> ( 1 ) ف . ب . ماير : حياة إبراهيم ص 65 ، 221 ، حبيب سعيد : خليل اللّه في اليهودية والمسيحية والاسلام ص 47 ، القس منيس عبد النور : إبراهيم السائح الروحي ص 26 ( 2 ) انظر رحله في كتابنا إسرائيل ص 69 - 86 ( 3 ) انظر وجهات نظر مختلفة عن موطن الخليل وهجراته ، في كتابنا « إسرائيل » ص 165 - 196