محمد بيومي مهران

40

دراسات تاريخية من القرآن الكريم

عليه في حياتهم ، يدعوهم إلى التوحيد « 1 » وإلى تهذيب النفوس ، وإلى وضع مبادئ للأخلاق « 2 » ، وميزان للعدالة في الحكم « 3 » ، واستنباط لبعض الأحكام « 4 » ، فإذا ما عرض لحادثة تاريخية ، فإنما للعبرة والعظة « 5 » . وفي الواقع إن في القرآن الكريم لقصصا شتى من غير قصص الدعوة ، أو قصص الجهاد في تبليغ الرسالة ، ولكنها تراد كذلك لعبرتها ، ولا تراد لأخبارها التاريخية ، ومنها قصة يوسف ، وقصة إسماعيل عليهما السلام ، فقصة يوسف قصة إنسان قد تمرس منذ طفولته بآفات الطبائع البشرية ، من حسد الأخوة ، إلى غواية المرأة ، إلى ظلم السجن ، إلى تكاليف الولاية وتدبير المصالح في إبان الشدة والمجاعة ، وقصة إسماعيل تتخللها هذه التجارب الإنسانية من عهد الطفولة كذلك ، فيصاب بالغربة المنقطعة عن العشيرة وعن الزاد والماء ، وإن كان الأخطر من ذلك كله أن تكتب عليه التجارب الإنسانية ضريبة الفداء ، وهي في مفترق الطرق بين الهمجية التي كانت - في معظم مجتمعات الشرق القديم - لا تتورع عن الذبائح البشرية ، وبين الإنسانية المهذبة التي لا تأبى الفداء بالحياة ، ولكنها تتورع عن ذبح الإنسان ، ثم يكتب لهذا الغلام الوحيد بواد غير ذي زرع عند البيت المحرم ، أن تنتمي إليه أمة ذات شعوب وقبائل تتحول على يديها تواريخ العالم على مدى الأيام « 6 » .

--> ( 1 ) انظر مثلا في قصة نوح ( سورة نوح آية 2 - 20 ) وفي قصة يوسف ( يوسف : آية 37 - 40 ) وفي قصة عيسى ( النساء : آية 171 - 172 ، آل عمران : آية 59 ، المائدة : آية 71 ، 76 ) ( 2 ) أنظر مثلا ( البقرة : آية 44 ، الأعراف : آية 85 - 87 ، هود : آية 84 - 88 ) ( 3 ) أنظر مثلا في قصة داود ( ص : آية 21 - 26 ) ( 4 ) أنظر مثلا في قصة هابيل وقابيل ( المائدة : آية 27 - 32 ، 42 - 50 ، البقرة : آية 178 - 179 ) ( 5 ) راجع عن أهداف القرآن ومقاصده : تفسير المنار 1 / 206 - 293 ( 6 ) عباس العقاد : الإسلام دعوة عالمية ص 218 - 219