محمد بيومي مهران

39

دراسات تاريخية من القرآن الكريم

المتواتر « 1 » . وبهذه العناية المزدوجة التي بعثها اللّه في نفوس الأمة المحمدية اقتداء بنبيها ، بقي القرآن محفوظا في حرز حريز ، إنجازا لوعد اللّه الذي تكفل بحفظه ، حيث يقول « إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ » « 2 » ، ولم يصبه ما أصاب الكتب الماضية من التحريف والتبديل وانقطاع السند ، حيث لم يتكفل اللّه بحفظها ، بل وكلها إلى حفظ الناس ، فقال تعالى : « وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ » « 3 » ، أي بما طلب إليهم حفظه ، والسر في هذه التفرقة أن سائر الكتب السماوية جيء بها على التوقيت لا التأييد ، وأن هذا القرآن جيء به مصدقا لما بين يديه من الكتب ومهيمنا عليها ، فكان جامعا لما فيها من الحقائق الثابتة ، زائدا عليها بما شاء اللّه زيادته ، وكان سادا مسدها ولم يكن شيء فيها يسد مسده ، فقضى اللّه أن يبقى حجة إلى قيام الساعة ، وإذا قضى اللّه أمرا يسر له أسبابه ، وهو الحكيم العليم « 4 » . غير أني أودّ أن أنبه - بعد أن أستغفر ربي العظيم كثيرا - إلى أن القرآن الكريم لم ينزّل كتابا في التاريخ ، يتحدث عن أخبار الأمم ، كما يتحدث عنها المؤرخون ، وإنما هو كتاب هداية وإرشاد للتي هي أقوم « 5 » ، أنزله اللّه ، سبحانه وتعالى - ليكون دستورا للمسلمين ، ومنهاجا يسيرون

--> ( 1 ) محمد عبد اللّه دراز : النبأ العظيم ، ونظرات جديدة في القرآن من 12 ، 13 ( 2 ) سورة الحجر : آية 9 ( 3 ) سورة المائدة : آية 44 ( 4 ) محمد عبد اللّه دراز : النبأ العظيم ص 13 ، 14 ( 5 ) سورة الإسراء : آية 9