محمد بيومي مهران
35
دراسات تاريخية من القرآن الكريم
بوحدة الجماعة ، أي أن عمل عثمان كان من مقاصده أساسا نشر النص القرآني بلسان قريش ، وإرساء هذا التقليد اللغوي الذي سبقته مقدمات كثيرة في عهد أبي بكر وعمر ، رضي اللّه عنهما ، ذلك لأن الخليفة الراشد إنما كان يعتبر التمارى في القرآن نوعا من الكفر « 1 » . ومن ثم فليس صحيحا ما ذهب إليه البعض من أنه قد يكون هناك غرض سياسي بقصد التقليل من نفوذ القراء الذي تزايد بسبب أنهم وحدهم الذين يعرفون مضمون القرآن ، بأن يوجد له نصا مقروءا « 2 » ، فما كان للسياسة دخل عند صحابة رسول اللّه في شؤون القرآن الكريم . وعلى أي حال ، فلقد ساعد عثمان على تحقيق أهدافه من جمعه للقرآن ، أنه قد أمر بإحراق كل ما عدا مصحفه من صحف أو مصاحف كان قيّدها الصحابة والآخذون عنهم ، وقد انصاع الناس لأمره في سائر الأمصار ، فيما عدا ما روي عن عبد اللّه بن مسعود من أنه عارض ذلك ، وأمر الناس في الكوفة بالتمسك بمصحفه - كما أشرنا آنفا - لشبهة اعترته ، هي ظنه أن زيدا قد انفرد بالعمل ، وقد كان هو أولى من يقوم به ، فلما علم بعد ذلك أن موقفه قائم على شبهة لا أكثر ، وأن المصحف الذي أرسله عثمان هو نسخة من جمع أبي بكر ، الذي أخذ عن صدور الرجال ، وعن العسب واللخاف ، التي كتبت على عهد رسول اللّه وبإملائه ، وإن زيدا لم ينفرد بالعمل ، بل شاركه فيه جمع كبير من الصحابة ، وأجمع عليه المسلمون جميعا ، وافق اقتناعا أولا ، وحفاظا على وحدة الأمة ثانيا ، وبذلك تمت موافقة الأمة كلها على مصحف عثمان ، حتى قال مصعب بن
--> ( 1 ) عبد الصبور شاهين : تاريخ القرآن ص 116 - 117 ، البرهان 1 / 235 - 236 ، البخاري 3 / 196 - 197 ( 2 ) عبد المنعم ماجد : المرجع السابق ص 252 ، قارن R . Blachere , oc - cit PP . 56 - 60