محمد بيومي مهران

34

دراسات تاريخية من القرآن الكريم

« التابوت » التي جاءت في قوله تعالى : « إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ » « 1 » ، أيكتبونه بالتاء أو الهاء ، فقال زيد : إنما هو « التابوة » ، وقال الثلاثة القرشيون : إنما هو « التابوت » ، فتراجعوا إلى عثمان ، فقال : اكتبوه بلغة قريش ، فإن القرآن نزل بلغتهم » « 2 » . والقضية التي ينبغي أن نناقشها الآن - فيما يرى الدكتور عبد الصبور شاهين - هي أهمية عمل عثمان من الناحية القرائية ، فإذا كان عمل عثمان مقتصرا على نسخ مصاحف عدة من المصحف الذي كتبه زيد في عهد أبي بكر ، فأية قيمة يمكن أن تكون لهذا العمل ؟ وقد يزداد الأمر أهمية ، إذا ما علمنا أن مصحف أبي بكر كان مكتوبا - كما هو المنطق - على حرف واحد ، والأمر كذلك بالنسبة إلى كتاب الوحي على عهد رسول اللّه ، وإذا كان زيد بن ثابت - طبقا لما ورد في الأحاديث الصحيحة - من أكثر كتاب الوحي ملازمة لرسول اللّه ، ( صلى اللّه عليه وسلّم ) ثم هو قد قام بكتابته على عهد أبي بكر ، وعلى عهد عثمان ، فان ذلك يدلنا على أن منهج الكتابة كان واحدا في المراحل الثلاثة تقريبا ، إلا ما ارتآه عثمان من تجريد رسمه من الإعجام حتى يتسع الرسم لكثير من الوجوه التي صح نقلها عن النبي ( صلى اللّه عليه وسلّم ) ، أي إضفاء صفة الشرعية على القراءات المختلفة التي كانت تدخل في إطار النص المدون ، ولها أصل نبوي مجمع عليه ، ثم إن هدفا آخر قد تحقق بعمل عثمان ، هو التقريب اللغوي ما بين وجوه القراءة المتلوة آنذاك في الأمصار المختلفة ، والقضاء على الخلاف الذي كاد أن يعصف

--> ( 1 ) سورة البقرة : آية 248 وانظر : وتفسير الطبري 5 / 315 - 328 ، تفسير الكشاف 1 / 293 - 294 ( دار الكاتب العربي - بيروت ) ، تفسير ابن كثير 1 / 445 - 446 ، تفسير وجدي ص 51 ( 2 ) تفسير القرطبي 1 / 54 ، فضائل القرآن ص 20 ، البرهان 1 / 376 ، الاتقان 1 / 98 ، مدخل إلى القرآن الكريم ص 38 - 39 ، مقدمتان في علوم القرآن ص 19 ، محمد أبو زهرة ص 39