محمد بيومي مهران
219
دراسات تاريخية من القرآن الكريم
وهكذا يبدو وبوضوح ، أن كل هذه المحاولات : السياسية والعسكرية - تثبت قيام كعبة الحجاز على كره من ذوي السلطان في الجنوب والشمال ، وفي كل المحاولات استطاعت الكعبة أن تحفظ مكانها ، على الرغم من خلو مكة من العروش الغالبة على أنحاء الجزيرة بجميع أطرافها ، بل إنها إنما استطاعت ذلك لخلوها من العروش وقيام الأمر فيها على التعميم دون التخصيص ، وعلى تمثيل جملة العرب بمأثوراتهم ، ومعبوداتهم ، دون أن يسخرهم المسخرون ، أو يستبد بهم فريق يسخرهم تسخير السادة للأتباع المكرهين على الطاعة وبذل الإتاوة « 1 » . وهكذا كان المكيون يشعرون بمكانة الكعبة عند العرب عامة ، ومن ثم فقد كانوا يرون لأنفسهم ميزة لا يتطاول إليها غيرهم من العرب ، لأنها تتصل بكرامة البيت الحرام وحرمته ، فهم أهله وأولياؤه ، وهم سدنته والقائمون بالأمر فيه ، يسقون الحجيج ويطعمونهم ، ويوفرون لهم الأمن والراحة ، ومن ثم فقد نشأ عندهم ما يسمى بنظام « الحمس » ، ويعنون به ابن البلد وابن الحرم والوطني المقيم ، والذي ينتمي إلى الكعبة والمقام ، فهو امتياز لأبناء الوطن وأهل الحرمة وولاة البيت قطان مكة وساكنيها « 2 » ، ولهذا فقد نادوا بين الناس : « نحن بنو إبراهيم وأهل الحرمة وولاة البيت وقاطنو مكة وساكنوها فليس لأحد من العرب مثل حقنا ، ولا تعرف له العرب ما تعرف لنا » « 3 » . وكان الحمس إذا زوجوا امرأة منهم لغريب عنهم ، اشترطوا أن يكون أبناؤها منهم ، ثم جعلوا لأنفسهم علامة ، وهي ألا يعظم الأحمس شيئا
--> ( 1 ) العقاد : مطلع النور ص 115 . ( 2 ) الخربوطلي : المرجع السابق ص 50 ، قارن : شفاء الغرام 2 / 43 ، ابن هشام 1 / 199 ( 3 ) الأزرقي 1 / 176 ، ابن هشام 1 / 216 ، تفسير الطبري 4 / 188