محمد بيومي مهران
178
دراسات تاريخية من القرآن الكريم
التضحية بالطفل البكر عرفا جاريا لدى الكنعانيين في العصر العتيق ، وفي حفريات « جازر » دليل قاطع في هذا الصدد ، فقد وجدت بها عظام أطفال في حالة بلاء بين بين ، مودعة في أسس المنازل ، وقد احتفظ الفينيقيون بهذه العادة إلى عصور قريبة ، حتى روى « فيلون » أن من عادات القوم في حالات الأخطار العامة ، أن يضحوا بأعز أبنائهم لإبعاد الكوارث عن أنفسهم « 1 » ، وطبقا لرواية التوراة ، فإن المؤابيين إنما كانوا يفعلون كذلك ، وقد ضحى ملك مؤاب ( ميشع ) بابنه البكر لإلهه شمس ، لينقذه من قوات إسرائيل ويهوذا التي أحاطت به « 2 » . هذا وقد تبيّن من مخلفات المدافن من « أم التار » في « أبو ظبي » أنها تضم العديد من الهياكل العظمية المتكدسة في المدفن المشترك ، ويدل وجود الهياكل العظيمة خارج الجدران الخارجية على ظاهرة التضحية البشرية التي تواكب مراسم الدفن ، حيث توضع جثث الأشخاص الذين يضحى بهم خارج المبنى الذي يضم جثة المتوفي « 3 » . وهنا - فيما يبدو لي - تظهر أهمية قصة الذبيح إسماعيل عليه السلام ، في التاريخ الإنساني ، إذ كتبت عليه ضريبة الفداء ، وهي في مفترق الطرق بين الهمجية التي كانت لا تتورع عن الذبائح البشرية ، وبين الإنسانية المهذبة التي لا تأبى الفداء بالحياة ، ولكنها تتورع عن ذبح الإنسان « 4 » ، ولما كان الأنبياء هم الأسوة الحسنة التي يحتذى حذوها كافة الناس وخاصتهم ، فإن اللّه جلت قدرته أراد أن يجعل من خليله قدوة حسنة ، ومثلا أعلى ، لأرفع صور الإيمان وأجلها في تاريخ الإنسانية ، وفي الوقت
--> ( 1 ) ج . كونتنو : الحضارة الفينيقية ص 145 ( 2 ) ملوك ثان 3 : 27 ( 3 ) G . Bibby , Looking for Delmun , London , 1970 , P . 212 وكذا K . Thorvidsen , Kumal , 1962 , PP . 217 - 218 ( 4 ) عباس العقاد : الإسلام دعوة عالمية ص 218 - 219