محمد بيومي مهران

107

دراسات تاريخية من القرآن الكريم

غلبت عليهم البداوة والأمية ، وإذا ما تشوقوا إلى معرفة شيء مما تشوق إليه النفوس البشرية في أسباب المكنونات وبدء الخليقة وأسرار الوجود ، فإنما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم ، ويستفيدون منهم « 1 » ، لأنهم - كما يقول ابن إسحاق - أهل العلم الأول « 2 » ، وكانت التوراة - والتلمود - من بعدها - تشتمل على كثير مما يشتمل عليه القرآن الكريم من وقائع وأحداث تتصل بالمصطفين والأخيار ، من أنبياء اللّه الكرام ، ولكن بإسهاب وتفصيل ، قد يغري ، في كثير من الأحايين ، عواطف العامة ، أكثر مما يرضي عقول العلماء . ومنها ( سادسا ) أن العرب لم يكونوا يعرفون العبرية - لغة التوراة - وكان أحبار يهود - كما يروي عن أبي هريرة - يقرءون التوراة بالعبرية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام « 3 » ، ومن ثم فلم تكن هناك من وسيلة أمام المسلمين للتأكد من صدق يهود ، فضلا عن أنهم كانوا أقل منهم دهاء ومكرا ، ومن ثم فقد راجت بينهم سوق أكاذيب ما يسمونهم أهل العلم الأول ، وتساهل المفسرون وملئوا كتب التفسير بهذه المنقولات ، والتي كانت إما من التوراة ، أو مما يفتري أحبار التوراة ، ولهذا حذر « النظام » من بعض المفسرين ، فإن بعضا منهم - وبخاصة عكرمة والكلبي والسدي والضحاك ومقاتل وأبو بكر الأصم - يقول بغير رواية إلى غير أساس ، وكلما كان المفسر أغرب عند العامة كان أحب إليهم « 4 » . ومنها ( سابعا ) ما يرويه « ابن النديم » من أن « أحمد بن عبد اللّه بن

--> ( 1 ) مقدمة ابن خلدون ص 439 - 440 ، وانظر : تفسير الطبري 6 / 9 ، 10 ، 17 / 10 ، 27 / 31 ، تفسير ابن كثير ابن كثير 3 / 102 ( 2 ) معجم الأدباء 18 / 8 ( 3 ) صحيح البخاري 2 / 285 ( 4 ) الحيوان للجاحظ 1 / 343 - 346