كريم نجيب الأغر
713
إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام
وقد علّقنا في « قسم تخريج الأحاديث وصلتها بالإعجاز العلمي » على هذا الأمر في « صلة الحديث بالإعجاز العلمي » للحديث رقم 21 ، وبينّا أن اللفظ الصحيح هو لفظ « الأعصاب » ، لأنه بذلك يكون قد تكلم عن نفس الشيء الذي جاء ذكره في الحديث وهو : « العروق » ، أي عن الصبغيات التي ترعد ، فانظره هناك . وهو إن كان كذلك - ولا بد أن يكون كذلك لأن المعطيات العلمية قاطعة في هذا المجال ، ولأن لفظ الحديث رقم 21 ( المتصل ، المشهور ، ذو الرجال الثقات ) قد جاء فيه كذلك - فهو يضيف أبعادا وصفية في منتهى الإعجاز للعروق وهي أنها مربوطة بعضها ببعض ، وملتوية ، وليس ذلك فقط بل شديدة الالتواء ، مع العلم أنه لا يمكننا رؤيتها بأي حال من الأحوال لصغر حجمها الذي يقدّر بالأنجستروم ( واحد على عشرة مليار من المتر ) . ونرى من التحليل السابق أن الحديث السالف ذكره يشير إلى عدّة إشارات علمية ذات طابع إعجازي مبهر ، وهذه الإشارات العلمية تشكّل مجموعة متجانسة بعيدة المنال لبعيد الحدس ، بحيث تجعل من المستحيل التنبؤ بها مجتمعة ، فالحديث يدور عن شيء ( نطفة ) جد صغيرة ( يبلغ حجمها حوالي 055 ، 0 ملم ) في مكان مظلم ، والوصول إليه متعذّر بغياب التقانة لأن مدخل المهبل لا يتّسع في الأحوال العادية لأكثر من إصبع صغير أن يدخله ، وهو مسدود بكتلة مخاطية ، ويصف لنا حالة هذه النطفة ( مخصبة ) ، ويصوّر لنا طبيعة حركتها ( من رخاء ) ، وموقع المكان الذي تجري فيه ( خارج الرحم ، وأنه يقع على مشارفه ) ، ويعطينا فكرة عن مدة مكوثها في هذا المكان ، ويخبرنا عن وجود أشياء في النطفة هي أصغر منها بآلاف المرات ( الصبغيات ) ، بل يخبرنا أن تلك الأشياء تتحرك ، ويصف لنا طبيعة تحرك العروق ( الارتعاد ، أو الاضطراب ) ، مع العلم أن حادثة الارتعاد تحصل في دقائق معدودة ، ويحجب رؤيتها غلاف النطفة بالنسبة للناظر الذي ينظر داخل قناة فالوب ، فما الحال بالنسبة للناظر الذي ينظر من خارج جسد المرأة ؟ ! ! ! ، هذا مع العلم أن وصف صورة
--> - بعضا - وتنتشر عروق كل من الفريقين فيما بينها ، وبما أنه في بادئ الأمر كانت العروق تؤلف مجموعتين منفصلتين فإنه لا يلزم ارتعاد أفراد مجموعة ما ارتعاد أفراد المجموعة الأخرى ، فجاء تأخير « كل » للتأكيد على أن أفراد كلتا المجموعتين ترتعد ، حيث إن عروق الحيوان المنوي تتمدد بعد أن تكون متراصة ، بينما تستكمل عروق البويضة تمددها ، وعند اختلاط المجموعتين تنقبض كل العروق بلا استثناء - فتندرج مرّة أخرى تحت معنى الاضطراب الكلي . فاعتبر أيها القارئ الكريم كيف أن الصياغة محبوكة بحكمة ودقّة .