كريم نجيب الأغر

712

إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام

--> - فإذا تقرّر لك ذلك أيها القارئ ، فاعلم أن الحديث الذي رواه الطبراني رقم 21 بمثابة بيان للحديث رقم 23 الذي رواه الديلمي - كما ذكرنا سابقا - لأن كل رواية فصلت ما كان مطويا في الأخرى ، مما يعني أن المتنين مستويان في مرادهما ، وبالتالي مستويان بألفاظهما ، وهذا يشير بدوره إلى أن لفظ « عصب » المفرد في أصله ، المجموع باتصاله باسم « كل » ، يقابله لفظ « أعصاب » في حديث الديلمي ، مما يعني أنه وقع تصحيف بصري بإبدال كلمة « أعصاب » بكلمة « أعضاء » . فائدة مهمة : وقد يتساءل القارئ لما ذا قدّمت « كل » في حديث الطبراني في حين أخرت في حديث الديلمي ؟ أليس لهذا الفعل دلالته ؟ وإلى ما ذا يدل ؟ . - في حديث الطبراني : ومن المعلوم أن « في » تفيد « الظرفية المكانية » ، وهي بالتالي تشير إلى معنى الوحدة والممازجة . فإذا فهمنا أن معنى كلمة « طار » في حديث الطبراني : « طار ماؤه في كل عرق وعصب » يشير إلى الانتشار فهمنا أن عروق نطفة الرجل انتشرت بين عروق نطفة المرأة ، وبالتالي أن حرف « في » وقع موقع أداة « بين » . ومرد ذلك أن المراد هنا هو إظهار أن البينية شديدة جدا ومتشابكة كثيرا إلى حد الممازجة ، مع أنها ليست الممازجة ، فحسن استعمال « في » الظرفية المستخدمة في غير معناها الأصلي في هذا الموضع . فمن ناحية فعل « طار » يدل على شدّة الانتشار - كما مرّ معنا في مبحث « اختلاط عروق النطفة » - ومن ناحية وظيفة « في » تدل على المخالطة إلى حد الممازجة مما يثبّت في ذهن السامع قوّة الانتشار . وتفيد المعطيات العلمية : « إن صبغيات الأم ( أي عروق نطفة المرأة ) وصبغيات الأب ( أي عروق نطفته ) تختلط في « الطور الاستوائي METAPHASE ) ( لأول عملية انقسام ميتوزية ) FIRST MITOTIC DIVISION ) للبويضة المخصبة » ( كتاب الإنسان النامي مع زيادات إسلامية ، د . كيث مور ، ص 32 ) ، ويكون ذلك عند خط استواء البويضة . فالحاصل أن هذه العروق - بعد أن تتمدد - تتضاعف ، ومن ثمّ تنقبض على نفسها لكي يتاح لها أن تعبأ في مكان ضيّق وأن تصطفّ بشكل منتظم عند خط استواء النطفة ، ومن هنا ساغت الصياغة ( أي ساغ استعمال فعل « طار » واسم « في » ) التي توحي بشدّة قرب الأشياء المختلطة . غير أن هذه العروق لا تتداخل ، ولئلا تتوهم الممازجة أتي - - بلفظة « كل » الدالة على العموم . فكانت الدلالة على المراد دقيقة جدا ، فهي انتشار لكل عروق الحيوان المنوي بين كل عروق البويضة انتشارا واسعا شاملا - كما أفاده العموم في « كل » - ومتلاصقا إلى قريب الممازجة - كما أفادته « في » المقيدة بمعنى العموم - . والسرّ في ذلك أنه يتوهم من إدخال « في » أن الصبغيات ( أي العروق ) أصبحت شيئا واحدا ، على حين أن لفظة « كل » تفيد التعميم للجنس فردا فردا ، فقيّدت دلالة « في » بدلالة « كل » ، فحصلنا على معنى دقيق جدا لم يكتشف إلا حديثا بدقة متناهية . - في حديث الديلمي : أخرت « كل » لغرض التأكيد . فالموضوع يشير إلى الارتعاد ، أي إلى تموج واضطراب عروق الحيوان المنوي وعروق البويضة ، وتفيد لنا المعطيات العلمية أن عروق الحيوان المنوي تكون داخل غشاء منفصل عن الغشاء الذي يغلّف عروق البويضة عندما يدخل الحيوان المنوي البويضة ، أي أنهما يؤلفان مجموعتين منفصلتين ، ومن ثم يتفكك غشاؤهما النووي - بعد أن تقترب المجموعتان من بعضهما -