كريم نجيب الأغر

711

إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام

--> - أضف إلى ذلك أن لفظ « عصب » ورد عند الطبراني في كتبه الثلاثة : « الكبير » ، و « الأوسط » و « الصغير » مما يعزّز احتمال أن لفظ « عصب » هو المراد لأن تعدّد المصادر بنفس اللفظ تنفي أن يكون وقع هناك خطأ . أضف إلى ذلك أن الهيثمي الذي روى زوائد الطبراني على الكتب الستة في كتابه « مجمع الزوائد » أورده بهذا اللفظ ، وهذا دليل آخر يضاف إلى مجموعة الأدلة السابقة بأن لفظ « عصب » هو المراد . كذلك فإن الحديث الذي رواه الطبراني والبيهقي إسناده واحد ، وهو : عن أنيس بن سوار عن أبيه عن مالك بن الحويرث رضي اللّه عنه الحديث . . . ومن ثم اشتهر - أي روي بأكثر من سند - بعد ذلك ، مما يشير إلى أن اللفظ يجب أن يكون واحدا فقط لا غير ، لأنه ينبع من أنيس بن سوار - رحمه اللّه - . قال الطبراني : « لا يروى عن مالك ابن الحويرث إلا بهذا الإسناد ، تفرّد به ابن سوار » . وبما أن الطبراني متقدم فيرجّح لفظ الطبراني على لفظ البيهقي لأننا لا نستطيع أن نعتبر أن هناك ألفاظا مختلفة - أي متون مختلفة - جاءت بأسانيد مختلفة ، أي بمعنى آخر : أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم تلفظ بها أكثر من مرّة بأكثر من متن لأكثر من صحابي . كذلك فإن الديلمي متأخر عن البيهقي الذي هو بدوره متأخر عن الطبراني ، فالديلمي متوفى عام 509 ه ، مما يعني أن الديلمي ، أو أحد مشايخه ، أو ناسخ مخطوطاته قد يكون ارتكز على مخطوطات البيهقي في فهمه للحديث رقم 23 ، فرواه بلفظ « الأعضاء » موافقا بذلك جمع لفظ « عضو » الذي ورد عند البيهقي . وتفصيل موضوع البيان الذي ذكرناه آنفا هو كالتالي : كلمة « كل » : « اسم موضوع لاستغراق أفراد المنكر نحو : كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ [ آل عمران : 185 ] ، والمعرف المجموع نحو : وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً [ مريم : 95 ] ، وأجزاء المفرد المعرف نحو : كل زيد حسن » . ( مغني اللبيب ، لابن هشام الأنصاري ، ج 3 / ص 84 ، تحقيق عبد اللطيف الخطيب ، ط المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ، الكويت ) . فإذا تقدّمت « كل » على المفرد المنكر جعلته بمعنى الجمع ، وأفادت العموم ، كما في حديث الطبراني رقم 21 . وإذا تأخرت « كل » على الاسم الذي تستغرقه أكّدته ، وإذا أراد المتكلم أن يظهر الجمع فعليه أن يجعل الاسم المستغرق في صيغة الجمع لأن دلالة « كل » في الجمع تبقى مطوية ، كما في حديث الديلمي . - - وخلاصة القول : أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أراد العموم مع تأكيدهما في كلا الحديثين : رقم 21 ، ورقم 23 . وذلك لأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قدّم لفظ « كل » المفيدة للعموم لاستغراق أفراد الاسم المنكر في حديث الطبراني رقم 21 ، وعندما تقدّمت « كل » كان المعنى في قوّة الجمع ، فأفادت « كل » العموم . أما في الحديث الذي رواه الديلمي فتأخرت « كل » فأصبحت مؤكدة لما قبلها ، وأصبحت دلالة ما قبلها - مع كونها أكّدته - مطوية على الجمع بسبب تأخيرها ، فاحتاج اللفظ أن يأتي بصيغة الجمع لكي يفيد العموم . وهكذا أصبح المفرد « عصب » يساوي العموم « أعصاب » ، واستوى الحديثان في الدلالة ، لأنه استعيض عن معنى الجمع المطوي بجمع لفظي « عصب » و « عرق » إلى لفظتي « أعصاب » و « عروق » . -