كريم نجيب الأغر
708
إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام
أما بالنسبة للفظ « الأعضاء » الذي ورد في الحديث إلى جانب كلمة « العروق » فسنعتبر أنه جاء في الحديث من جراء ما يسمى في مصطلح الحديث بالتصحيف ، والتفصيل هو كما في الحاشية « 1 » .
--> ( 1 ) لقد اعتدنا في هذا العصر على النظر إلى مقالات وكتب طبعت بواسطة آلات حديثة . هذه الآلات تطبع بأحرف أبجدية قد صمّمت خصيصا لهذا الغرض ، واعتنى مصمّموها بها بشكل فائق لكي ترسم الحرف الأبجدي بشكل واضح وجلي لا تحيد عن رسمه قدر أنملة . غير أن المتقدمين لم تتح لهم هذه التقانة ونسخوا كل الأحاديث بأيديهم على الأوراق . وكما نعلم فإن كلّا منا يتمتع بخط معيّن يختلف عن الآخر ، كما أن جودة الخط تختلف من واحد إلى آخر . وأثناء النسخ تحدث أخطاء يدوية ، من جراء سهو بعض الناسخين لما يكتبون ، أو من جراء فهمهم بشكل خاطئ لمخطوطة أخرى . . . إلخ . وهذا يسمى بالتصحيف في علم مصطلح الحديث ، وهذا ما حصل في هذا المقام ، وتعريف التصحيف - كما يفسّره لنا الشريف محمد علي الجرجاني ، في كتاب « التعريفات » ( ص 82 ، تحقيق إبراهيم الأبياري ، ط 2 / 1413 ه ، 1992 م ، دار الكتاب العربي بيروت ) - : « أن يقرأ الشيء على خلاف ما أراد كاتبه ، أو على ما اصطلحوا عليه » ، أو هو - كما جاء في « فتح المغيث بشرح ألفية الحديث » للعراقي ، ( ج 4 / ص 56 ) ، تأليف محمد بن عبد الرحمن السخاوي ، تحقيق وتعليق علي حسين علي ، ط 1 ، الدار السلفية لنشر العلم بالقاهرة ، 1415 ه - ، 1995 م ) : « تحويل الكلمة من الهيئة المتعارفة عليها إلى غيرها » وينقسم التصحيف إلى عدة أنواع ، منها قسمان رئيسان هما : تصحيف البصر ، وتصحيف السمع . وتصحيف البصر هو كما تبين من التعريفين السابقين ، أما تعريف السمع فهو - كما يظهر من تقسيم المحدثين له إلى سمعي وبصري - : أن يسمع الشيء على خلاف ما أراد قائله . ومثال التّصحيف البصري - وهو الأكثر - : أن يحيى بن سلام حدث عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة في قوله تعالى : سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ [ الأعراف : 145 ] قال مصر ، وهي في الحقيقة مصيرهم كما أكده أبو زرعة ، وهذا نشأ لعدم وجود التنقيط أثناء كتابة مصيرهم . ومثال التصحيف السمعي - وهو الأقل - : حديث لعاصم الأحول رواه بعضهم عن واصل الأحدب . ( « التقييد والإيضاح » للحافظ زين الدين الحسين العراقي ، ص 242 - 243 ، دار الحديث ، بيروت ، 1405 ه - ، 1984 م ، وانظر « فتح المغيث » ، ج 4 / ص 61 - 62 ) . وفي كتابنا هذا وقع أيضا النوعان المذكوران . فأما بالنسبة للتصحيف السمعي فتمثّل بالحديث : « صدقت ، إن لك تسعة وتسعين عرقا ، وله مثل ذلك ، إذا كان حين الولد اضطربت العروق كلّها ، ليس منها عرق إلا يسأل اللّه أن يجعل الشّبه له » [ أخرجه الحكيم الترمذي ح 22 ] . فالعلم الكوني يشير إلى أن للإنسان اثنين وتسعين عرقا بينما ينص الحديث على تسعة وتسعين عرقا ، وبما أن مختلف النسخ كنسخة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ، ونسخة مكتبة الملك فهد ، وغيرها فيها تسعة وتسعون عرقا فمن المستبعد أن يكون التصحيف بصريا لأنه لو كان ذلك لاختلف متن مخطوطة عن مخطوطة أخرى ، كما هو شأنه في سند الحديث ( انظر تعليقنا على الحديث في صلة الحديث على الإعجاز ، في قسم تخريج الحديث في الإعجاز العلمي ، على الحديث رقم 22 ) . -