كريم نجيب الأغر

694

إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام

الأمر ، وتعلمنا - بل تأمرنا - أن نتبيّن - أي أن نتحرى - صدق الكلام من عدمه عند فاقدي المصداقية ، بل تشير إلينا بعبارة النص ، أي بطريقة مباشرة أن نتحرّى عن مدى صدق الخبر الذي يتفوّه به فاسق - لا أن نعزل أقواله كلّها ( كما فعله علماؤنا الكرام ) - فلو كان الكلام ضربا من الكهانة لوجب علينا أن نعزل أقواله كلّها لفقدان الوسيلة الإيضاحية ، ولكن لو توفّرت لنا الوسيلة المبيّنة لكنا خالفنا الأمر الإلهي المتمثّل بتعاليم الآية السالفة الذكر . ومن الجدير بالذكر أن الآية تأمرنا أن نتحرى عن الفاسق - فاقد المصداقية - لا عن الصادق ، مما يعني أنه قد يكون كلامه صحيحا ، فلا معنى من التحري إذا كان مآل الخبر الكذب المحض وليس فيه احتمال الصحة . كذلك الآية القرآنية : وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا ( 83 ) [ النساء : 83 ] فهي تشير إلى أن نعيد الخبر المشكوك إلى أهل الاختصاص لكي يتحروا عنه ، ويستنبطوا هل هو صحيح أو لا ، أو يتحروا ما هو صحيح منه مما هو خطأ من خلال الاستنباط المرتكز على العلم ، أي من خلال الاستخراج المرتكز على علمهم الذي حصّلوه لذلك قال اللّه تعالى : لَعَلِمَهُ . جاء في تفسير القرطبي للآية السالفة الذكر : « أي يستخرجونه ، أي ليعلموا ما ينبغي أن يفشى منه ، وما ينبغي أن يكتم » ، وبالتالي فهذه وصية ربانية أخرى - تضاف إلى الوصية الأولى التي ذكرناها آنفا - تدفعنا إلى وضع الأحاديث الضعيفة جدا تحت مجهر العلم الكوني الثابت . وهذا يعد بنظرنا تفريطا في هذا الباب إن لم نلتزم به . لذا علينا أن نعمد إلى أمرين : 1 - أن نعيد النظر في دراسة الأحاديث الضعيفة جدا كلّها التي تتكلم عن الظواهر العلمية ، فنعزل الأحاديث ذات المتن الخاطئ ، ونأخذ بالأحاديث ذات المتن الصحيح ( التي تحمل في طياتها إعجازا علميّا يتعذر الوصول إليه ) . 2 - أن نضع تلك الأحاديث تحت المجهر العلمي الثابت ، فنعزل طرف الحديث الخاطئ من طرف الحديث الصحيح ، لأن الكاذب يخلط في حديثه الخطأ بالصواب . وعلينا بعد ذلك أن نجمع تلك الأحاديث في مراجع معتمدة من مجمع فقهي ، تشير إلى أن هذه الأحاديث يستأنس بها .