كريم نجيب الأغر

551

إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام

قال السيوطي : « قوله : وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ [ النور : 45 ] أي كل نوع من أنواع الدواب من نوع من أنواع الماء وكل فرد من أفراد الدواب من فرد من أفراد النطف » « 1 » . وكلمة « من » هنا - كما يذكر المفسرون - جاءت لابتداء الغاية ، جاء في البحر المحيط : « و ( من ) لابتداء الغاية ، أي ابتدأ خلقها من الماء . . . » « 2 » ، وبالتالي فإن معنى الآية يصبح : والله ابتدأ خلق كل دابة من ماء مخصوص بها . فإذا كان الكلام عن ابتداء الخلق وعن تخصيصه لكل دابة ، فهمنا أن هذا الماء هو الماء الذي تتخلق منه أجنّة الحيوانات . وبالتالي فإن الماء المعني هو الجزء من الماء الذي يسبب التخلق ، وفقا لما قال الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما من كل الماء يكون الولد » [ أخرجه مسلم ح 17 ] : أي من النطفة . جاء في أوضح التفاسير : « وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ [ النور : 45 ] : أي من نطفة ؛ وذلك لأنها سائلة ، وأغلبها ماء » « 3 » . جاء في تفسير البيضاوي : « مِنْ ماءٍ هو جزء مادته ، أو ماء مخصوص هو النطفة » « 4 » . ومن هنا نفهم أن الآية تعني : واللّه ابتدأ خلق كل دابة من نطفة خاصة بها . ومن ثمّ تكلمت الآية عن أنواع الدواب : فمنها من يمشي على بطنه ، ومنها من يمشي على رجلين ، ومنها من يمشي على أربع . جاء في تفسير النسفي : « مِنْ ماءٍ أي من نوع من الماء مختص بتلك الدابة أو من ماء مخصوص وهو النطفة ، ثم خالف بين المخلوقات من النطفة فمنها هوامّ ومنها بهائم ومنها أناسي » « 5 » .

--> ( 1 ) الإتقان - ( ج 1 / ص 556 ) . ( 2 ) البحر المحيط - ( ج 6 / ص 465 ) . ( 3 ) أوضح التفاسير ، تفسير آية 45 من سورة النور . ( 4 ) تفسير البيضاوي - ( ج 4 / ص 195 ) ، وجاء في تفسير الطبري - ( ج 18 / ص 119 ) : « وقوله : خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ [ النور : 45 ] يعني : من نطفة » ، وجاء في تفسير القرطبي - ( ج 12 / ص 291 ) : « وقال المفسرون : مِنْ ماءٍ أي من نطفة » ، وجاء في البحر المحيط - ( ج 6 / ص 466 ) : « . . . مِنْ ماءٍ مخصوص وهو النطفة » ، وجاء في تفسير الشوكاني - ( ج 4 / ص 42 ) : « ومعنى مِنْ ماءٍ : من نطفة ، وهي المنيّ ، كذا قال الجمهور » . ( 5 ) تفسير النسفي - ( ج 3 / ص 149 ) .