كريم نجيب الأغر

552

إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام

فإذا كان الكلام عن نطف معينة ، وعن أنواع الدواب ، فهمنا أن سبب تنوع الخلق هو تنوع النطف ، أي أن التركيبات المختلفة للنطف تؤدي تبعا إلى نشأة حيوانات مختلفة . ومن الجدير بالذكر أن الآية لا تتكلم عن أنواع معينة من الحيوانات ، بل تقصد تبيان سبب تنويع خلق الحيوانات ، ليس إلا . جاء في تفسير أبي السعود : « مِنْ ماءٍ هو جزء مادته أو ماء مخصوص هو النّطفة فيكون تنزيلا للغالب منزلة الكلّ لأنّ من الحيوانات ما يتولّد لا عن نطفة . . . وتذكير الضّمير في منهم لتغليب العقلاء ، والتّعبير عن الأصناف بكلمة من ليوافق التّفصيل الإجمال ، والتّرتيب لتقديم ما هو أعرف في القدرة . يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ [ النور : 45 ] ممّا ذكر وممّا لم يذكر بسيطا كان أو مركّبا على ما يشاء من الصّور . . . » « 1 » . وهذا التنويع هو دلالة على قدرة الخالق ، وتعظيم لشأنه ، وبيان أن اللّه تعالى قادر على خلق أنواع مختلفة من النطف ، فينتج عن ذلك خلق أنواع مختلفة من الحيوانات ، وهو بأسرار خلقه خبير . يقول اللّه تعالى : أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ( 14 ) [ الملك : 14 ] . جاء في تفسير أبي السعود : « يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ ممّا ذكر وممّا لم يذكر بسيطا كان أو مركّبا على ما يشاء من الصّور . . . وإظهار الاسم الجليل في موضع الإضمار لتفخيم شأن الخلق المذكور والإيذان بأنّه من أحكام الألوهيّة : إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [ النور : 45 ] . فيفعل ما يشاء كما يشاء » « 2 » . وتفصيلا : إن أهم ما في النطف ، هو العروق التي تسبب تخلق الكائن الحيواني كما جاء في الحديث : « فجامع الرجل المرأة طار ماؤه في كل عرق وعصب منها » [ رواه الطبراني ح 21 ] . فهذا الحديث ينص على أن ماء الرجل ينتشر بين عروق نطفة المرأة ، أي أن النطفة تحتوي على عروق « 3 » .

--> ( 1 ) تفسير أبي السعود - ( ج 6 / ص 185 ) ، وأيضا تفسير البيضاوي - ( ج 4 / ص 195 ) . ( 2 ) تفسير أبي السعود - ( ج 6 / ص 185 - 186 ) . ( 3 ) انظر مبحث « اختلاط عروق النطفة » .