كريم نجيب الأغر
543
إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام
--> - النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنّ رجلا سأله ما يلبس المحرم فقال : لا يلبس القميص ولا العمامة ولا السّراويل ولا البرنس ولا ثوبا مسّه الورس أو الزّعفران فإن لم يجد النّعلين فليلبس الخفّين وليقطعهما حتّى يكونا تحت الكعبين » [ أخرجه البخاري ح 115 ] . جاء في فتح الباري بشرح صحيح البخاري ، في تفسير الحديث 1542 : « وقال البيضاوي : سئل عما يلبس فأجاب بما لا يلبس ليدل بالالتزام من طريق المفهوم على ما يجوز ، وإنما عدل عن الجواب لأنه أخصر وأحصر ، وفيه إشارة إلى أن حق السؤال أن يكون عما لا يلبس لأنه الحكم العارض في الإحرام المحتاج لبيانه ، إذ الجواز ثابت بالأصل معلوم بالاستصحاب فكان الأليق السؤال عما لا يلبس . وقال غيره : هذا يشبه أسلوب الحكيم ، ويقرب منه قوله تعالى : يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ الآية ، فعدل عن جنس المنفق وهو المسؤول عنه إلى ذكر المنفق عليه لأنه أهم » . وأما البيّنة على من يدّعي أن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم خلط بين الماءين - الماء الدافق الذي يتخلّق منه الجنين وماء المهبل ( أي المني ) - ، ولا يعلم من أين يأتي كلا منهما ووظائفهما ، فهي كالآتي : 1 - إن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم يعلم تمام العلم أن هناك فرقا بين الماءين ، والدليل على ذلك أن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم فرّق بين الماءين من خلال التفريق بين تسمية الماءين في حديثه : « ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر ، فإذا اجتمعا فعلا منيّ الرجل منيّ المرأة أذكرا بإذن اللّه وإذا علا منيّ المرأة منيّ الرجل آنثا بإذن اللّه » [ أخرجه مسلم ح 9 ] ، كما أنه يعلم أن الذي يخرج ابتداء في المهبل عند استثارة المرأة هو منيها لأنه يلتقي بمني الرجل خلال الجماع كما يفيده الحديث ، وأن الذي يخرج بعد ذلك ( أو يلتقي بعد ذلك بالحيوان المنوي ) هو ماء المرأة الذي يتخلق منه الجنين . 2 - إن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم يعلم تماما أن ماء المبيض الذي يتخلق منه الجنين لا يخرج ابتداء من الرحم عند الاحتلام وذلك لأن الحديث : « إذا وقعت النطفة في الرحم بعث اللّه ملكا . . . » [ رواه الطبري ح 32 ] يفيد أن هذا الماء يمكث في البطن خارج الرحم فترة من الوقت قبل أن يدخل الرحم ( كما تشير إليه كلمة « إذا » التي تفيد الاستقبال - لسان العرب لابن منظور - مادة « إذا » - ج 1 / ص 301 - ) ، على عكس المني الذي يخرج ابتداء عند الاحتلام من المهبل كما يفيده الحديث رقم 14 و 77 . كما أن هذا الحديث يشير إلى أن الماء الذي يتخلق منه الجنين يخرج من مكان بعيد من المهبل ، من مكان يقع خارج الرحم ، وبالتالي فمن المستبعد أن يخرج « ماء التخلق » من رحم المرأة عند الاحتلام . 3 - إن معنى السلالة الذي جاء في الآية : ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ [ السجدة : 8 ] يشير إلى أن الحيوان المنوي يقطع مسافة لكي يلتقي بماء المرأة ، وهذا يفيد أن الماء يخرج من مكان بعيد عن مخرج الرحم - المهبل - . 4 - إن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم يعلم أن هناك سائلا يخرج فور احتلام المرأة من مهبلها كما يقتضيه الحديثان رقم 14 و 77 . وبالتالي فإننا نقول : إن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم تعمّد صياغة الأحاديث على النحو التي جاءت به ، للحكمة التي أشرنا إليها سابقا في هذا البحث .