كريم نجيب الأغر
544
إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام
ويشهد لمفهوم سيادة الصفات الحديث : « تخيّروا لنطفكم ، وأنكحوا الأكفاء ، وأنكحوا إليهم » [ أخرجه ابن ماجة ح 71 ] ، فهو يشير إلى أن يتزوج المرء من الأكفاء حتى ينحدر منهم الصفات المحمودة ، فيكون النسل ذا كفاءة . ولقد ذكر مفهوم شبه الولد لأي من أبويه عن طريق غلبة الصفات في حديث آخر ولكن بصياغة مختلفة . هذا الحديث هو : « إذا كان حين الولد ، اضطربت العروق كلّها ، ليس منها عرق إلا يسأل اللّه أن يجعل الشّبه له » [ أخرجه الحكيم الترمذي ح 22 ] . يعتبر هذا الحديث تفصيلا للحديث الذي ذكرناه آنفا لما يحتوي من الدقة العلمية . كما تحدثنا في مبحث : « اضطراب عروق النطفة » تضطرب وتتحرك عروق الحيوان المنوي وعروق البويضة داخل نطفة الأمشاج ( أي البويضة التي أصبحت نطفة الأمشاج بعد اختلاط النطفتين ) مهيئة نفسها لنتائج سيادة الصفات . هذا التهيؤ والتحرك ما هو إلا سؤال العروق للّه عزّ وجلّ أن يجعل الشبه لها . وذلك لأن المورثات الموجودة في عروق النطفة الذكرية والنطفة الأنثوية سوف تظهر خصائصها حسب التركيبة الجديدة للنطفة - نطفة الأمشاج - ، فلو التقت مورثة متنحية مع مورثة مسيطرة لم تظهر خصائص تلك المورثة ، ولذلك تتمنى المورثات أن لا تلتقي بمورثات أخرى أقوى منها . وهذه ملاحظة علمية دقيقة جدا للحديث الشريف في المجال الغيبي . قد يتساءل القارئ : هل للعروق - وهي أشياء غير حيّة لعدم وجود الروح فيها - المقدرة على سؤال اللّه عزّ وجلّ أن يجعل الشبه لها ؟ . والجواب : نعم ، وإن لم نع هذا التخاطب ، ذلك لأن اللّه عزّ وجلّ قال في محكم آياته : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً [ الإسراء : 44 ] . فالعروق تسبّح اللّه تعالى وتخاطبه وتدعو المولى عزّ وجلّ كما يدعو العبد ربّه ولكن لا نفقه هذا الدعاء ، أي لا نستطيع التعرف على كيفية هذا الدعاء . إلى ذلك يشير الحديث الشريف أيضا إلى أن كل العروق سواء كانت من الرجل أو المرأة تشارك في عملية تخلق صفات الجنين مصداقا لقول الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم : « ليس منها عرق إلا يسأل . . . » : فالعروق التي توجد في النطفة الذكرية والنطفة الأنثوية تجتمع تحت سقف واحد وهو سقف نطفة الأمشاج ، ويوجد على كل عرق