كريم نجيب الأغر

537

إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام

والحديث الثالث : « اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوّاتنا ما حيينا واجعله الوارث منّا » [ أخرجه الترمذي ح 66 ] يتحدث عن سيادة المورّثات المسيطرة أيضا . فالرسول صلّى اللّه عليه وسلّم يسأل المولى عزّ وجلّ أن يمتّعه بسمعه وبصره وسائر قوى جسمه إلى حين وفاته ، وسائر قوى جسمه هي حواس الشم والملامسة . . . إلخ إضافة إلى الجهاز المعوي والرئوي والأجهزة الأخرى . والتمتّع بتلك الأعضاء يقتضي أن تكون مورّثات تلك الأجهزة سالمة من العيوب لها صفة القوّة التي تجعلها تديم النظر والسمع ووظائف سائر الأعضاء الأخرى بإذن اللّه . وليس هذا فحسب ، ولكن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم يطلب من اللّه تعالى أن يورّث نسله تلك الصفات بأن قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « واجعله الوارث منّا » . والملفت للنظر أن صياغة الحديث جاءت باستعمال اسم الفاعل بدلا من المفعول به ، ولهذه الصياغة دلالتها ؛ فنحن نرث الصفات من أجدادنا ، ومن المستحيل أن ترثنا تلك الصفات ، واستعمال كلمة « الوارث » - على وزن اسم الفاعل - يشير إلى أن تلك الصفات ، أو بتعبير أدق ، إلى أن مسبّبات تلك الصفات بإذن اللّه ، لها قوّة ذاتية تجعلها تتحكم في الوراثة ، وتتسبب بعدم ظهور صفات المورّثات المتنحية ذات العيوب والضعف في التركيب . وهذا الأسلوب ليس بغريب عن النصوص الشرعية . فلقد مرّ معنا في مبحث « الماء والمني » استعمال اسم الفاعل للدلالة على القوّة الذاتية للماء ؛ فالماء الدافق هو الذي يندفع بشدة قوّته كما جاء في الآيات : فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ ( 5 ) خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ ( 6 ) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ ( 7 ) [ الطارق : 5 - 7 ] ، وكما أوضحناه بإسهاب في مبحث « الماء والمني / تفسير النقطة السادسة : أن هذا الماء ليس متدفقا فحسب بل دافق » . ومن هنا نفهم أن الحديث الشريف يعني : اللهم متّعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوّاتنا ما حيينا ، واجعل المورّثات التي تتسبب بهذه الصفات الوارث منا ، أي تمتلك من القوّة التي تمكنها - بعد أن تنحدر في النسل - من أن تحتفظ بالصفات الجيّدة للسمع والبصر ، وأن تظهرهما فيما بعد ، فتكون هي المتحكمة والمسيطرة على الإرث ، فتستحوذ عليه بإذن اللّه ، واللّه تعالى أعلم . فسبحان من علّم رجلا أميا صلّى اللّه عليه وسلّم أسرار خلقه ، لم يعلمها العلماء إلا بجهد متواصل بواسطة تقنيات عالية الإمكانيات ، بعد قرون من الزمن ! . 5 - دور الصبغيات في شبه الجنين لوالديه : مما يدعّم مفهوم سيادة الصفات التي تأتي من طرفي التزاوج ، حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بخصوص الماء : « ماء الرجل غليظ أبيض وماء المرأة رقيق أصفر فأيهما سبق كان الشبه » [ أخرجه النّسائي ح 67 ] .