كريم نجيب الأغر
538
إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام
ولقد أوضحنا في المبحث السابق « النطفة » أن الماء هو النطفة نسبة إلى الحديث : « ما من كل الماء يكون الولد . . . » [ أخرجه مسلم ح 17 ] . يؤيد هذا التفسير الحديث رقم 69 ؛ فصياغة الحديث الذي رواه جاءت بلفظ « نطفة » . وينص الحديث ، أن شبه الجنين يكون لصاحب النطفة التي تسبق . وفعل « سبق » يعني غلب . جاء في شرح سنن النسائي للسيوطي « 1 » : « ( فأيهما سبق كان الشبه ) . . . وجوّز القرطبي أن يكون بمعنى غلب من قولهم : سابقني فلان فسبقته أي غلبته ومنه قوله تعالى : وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ [ الواقعة : 60 ] أي مغلوبين . . . » . يؤيد هذا المعنى روايات أخرى جاءت بلفظ « . . . سبق أو علا . . . » [ أخرجه أحمد ح 67 ] . وفعل « علا » في اللغة العربية يعني غلب كما أسلفنا القول في مبحث « النطفة » نسبة إلى قوله تعالى : إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ [ القصص : 4 ] ، وقول اللّه تعالى : فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى ( 67 ) قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى ( 68 ) [ طه : 67 - 68 ] . فأي نطفة تسبق كان الشبه . وفي بعض الروايات : « . . . أشبهه الولد . . . » [ أخرجه ابن ماجة ح 67 ] وفي أخرى : « أشبه الولد أخواله . . . أشبه الولد أعمامه » [ أخرجه مسلم ح 68 ] . جاء في شرح سنن النسائي للسندي « 2 » : « ( كان الشبه ) أي شبه الولد بالأب أو الأم » . فالحاصل أن هذه النطف تلتقي ، وأي مورثات من هذه النطف يغلب يؤدي إلى شبه الجنين لأمه أو لأبيه أو لأخواله أو لأعمامه الذين تنحدر منهم النطفة الغالبة . هذه هي الوراثة التي أشار إليها الرسول الكريم صلّى اللّه عليه وسلّم في حديث السمع والبصر الذي ذكرناه أعلاه « 3 » .
--> ( 1 ) شرح سنن النسائي للسيوطي وحاشية السندي - كتاب الطهارة - باب الفصل بين ماء الرجل وماء المرأة - ( ج 1 / ص 115 ) . ( 2 ) شرح سنن النسائي للسيوطي وحاشية السندي - كتاب الطهارة - باب الفصل بين ماء الرجل وماء المرأة - ( ج 1 / ص 115 ) . ( 3 ) والحديث بتمامه هو كالآتي : ( عن قتادة أن أنس بن مالك حدّثهم أن أم سليم حدّثت أنها سألت نبي اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إذا رأت ذلك المرأة فلتغتسل » ، فقالت أم سليم - واستحييت من ذلك - قالت : وهل يكون هذا ؟ ، فقال نبي اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « نعم فمن أين يكون الشبه ؟ إنّ ماء الرّجل غليظ أبيض ، وماء المرأة رقيق أصفر ، فمن أيّهما علا أو سبق يكون منه الشّبه » ) [ أخرجه مسلم ح 67 ] . -