كريم نجيب الأغر
533
إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام
فالعروق توجد في الجسم سرّا ، مختبئة فيه ، ومن ثمّ تدس صفات في الجنين غير الصفات الظاهرة على والديه ، فلو أنّ مفعولها ظاهر - أي لو أنّها من النوع المسيطر - لما كانت العروق تدسّ الصفات خلسة ، فهذه الصفات تظهر من الخفاء لتأخذ صفة غيرها ، وهي بالتالي ليست من الصفات الظاهرة للعيان في الأبوين القريبين . وتفصيل ذلك فقهيا : جاء في لسان العرب « 1 » : « نزع : نزع الشيء ينزعه نزعا ، فهو منزوع ونزيع ، وانتزعه فانتزع : اقتلعه فاقتلع . . . وأصل النزع الجذب والقلع ، ومنه نزع الميت روحه . . . » . ولذا فإن عبارة « عسى أن يكون نزعه عرق » تعني : عسى أن يكون اقتلعه عرق . ومن المعروف أن الاقتلاع والجذب هو الأخذ بالقوة . والمنزوع هنا هو صفة السواد المتنحية من الأجداد ، غير أن الصفة ليست شيئا ماديا أو محسوسا ، وبالتالي فهي لا تنزع ، وما ينزع هو المسبب المادي لتلك الصفة بإذن اللّه ، ألا وهو : ( المورّثة GENE ) . وهكذا فإن معنى عبارة : « وهذا لعله يكون نزعه عرق له » يصبح : عسى أن يكون عرقا اقتلع وأخذ بالقوة المورثة المسببة لصفة السواد . وكما فهمنا من الأحاديث النبوية الشريفة السالفة الذكر مثل حديث : « انظر في أي نصاب تضع ولدك فإن العرق دسّاس » [ ذكره العجلوني ح 71 ] ، وحديث : « . . . ليس منها عرق إلا يسأل اللّه أن يجعل الشبه له » [ أخرجه الحكيم الترمذي ح 22 ] ، وحديث : « . . . ثم أحضر له كل عرق بينه وبين آدم ، ثم قرأ : فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ ( 8 ) [ الانفطار : 8 ] » [ أخرجه الطبراني ح 21 ] ، فإن العروق حسب المفهوم النبوي الشريف هي التي تعطي الصفات للجنين ، وبالتالي فهي وعاء المورثات . وإذا أردنا بالتالي اقتلاع البعض منها ، فسنأخذها من العروق وليس من مكان آخر ، وهكذا فإن معنى الحديث الشريف يكون : عسى أن يكون عرقا اقتلع وأخذ بالقوة المورثة المسببة للسواد من عرق آخر . وهذه عبارة عميقة في معناها ، غيبية في إخبارها ، لفظها الأعرابي غافلا عما تنطوي عليه من معان علمية دقيقة ، محاولا إيجاد تفسير للظاهرة ، وعقلها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فأقرّ هذه المعلومات وهو على يقين منها قائلا : « وهذا لعله يكون نزعه عرق له » [ أخرجه مسلم ح 65 ] .
--> ( 1 ) لسان العرب لابن منظور - مادة « نزع » - ( ج 14 / ص 106 ) .