كريم نجيب الأغر
513
إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام
فمن استعمالات « ما » أنها ترد لغير العاقل أو لصفات ( العالم أو العاقل ) ، وللمبهم أمره ، أي المجهول ماهيته وحقيقته « 1 » ، وقد ذكر بعض العلماء أنها اسم مبهم في غاية الإبهام « 2 » . ومن هنا نفهم أنها تشير إلى الحيوان المنوي الذي سنأتي على تفصيله لاحقا . وليس من الصدفة أن اللّه تعالى استعمل اسم الموصول « ما » في هذا الموضوع ، فهو يشير إلى غاية الإبهام ، والحيوان المنوي في غاية الإبهام ، ولا أحد يعرف عنه شيئا على الإطلاق ، وذلك أنه صغير جدّا ، وأنه يحتوي على أحماض نووية رئيسية بشكل متراص مغلّفة بغطاء . ومن هذا الكلام نفهم أن معنى الآية هو كالآتي : والشيء غير العاقل ، المجهول في تكوينه ، الذي خلق الذكر والأنثى . والخلق في الآية ، هو أنه تعالى أجرى ذلك الفعل على يدي ظاهرة كونية بإذنه وإرادته ، مع العلم أن فاعله الحقيقي هو اللّه تعالى ، أي أن الشيء المذكور كان السبب في إذكار أو إيناث الجنين بإذن من رب العالمين . وقد ورد إسناد الخلق إلى غير اللّه تعالى في كثير من الآيات القرآنية ، مثل : وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ [ آل عمران : 49 ] ، و إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ . . . وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي [ المائدة : 110 ] ، و إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً [ العنكبوت : 17 ] . مما يشير إلى إمكانية تفسير الآية على الوجه الذي أشرنا إليه . والنص القرآني : وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى ( 45 ) مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى ( 46 ) [ النجم : 45 - 46 ] أوضح دلالة من آية سورة الليل ، وذلك لأن اللّه تعالى ذكر أوّلا كلّا من الذكر والأنثى في عملية الخلق عوضا عن ذكر الإنسان فقط أو الذكر أو الأنثى ، ولأنه ثانيا حدّد المكان الذي تخرج منه النطفة التي تسبّب الإذكار والإيناث . فلو أن الهدف من الآية هو إعلام الناس عن عملية الخلق فقط ، لكان كافيا أن يقول اللّه - سبحانه وتعالى - : وهو الذي خلق الإنسان من نطفة ، ولكن ذكر الجنسين في الآية دليل
--> ( 1 ) انظر « شرح الراوي » للرضي - القسم 2 - المجلد 1 - ص 259 - 260 . ( 2 ) البرهان في علوم القرآن للزركشي ، ( ج 4 / ص 398 ) .