كريم نجيب الأغر

503

إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام

هذا وقد أشار القرآن الكريم إلى الموت الخلوي في قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [ الأنعام : 95 ] . وذلك أن الآية تتحدث عن الحب أولا ، ومن ثمّ تتكلم عن إخراج الحي من الميت وإخراج الميت من الحي ، وهذا يقتضي ربط عمليتي إخراج الميت من الحي وإخراج الحي من الميت بالحب التزاما بالسياق القرآني . وهكذا فإن معنى الآية يكون : إن اللّه فالق الحب والنوى ، يخرج الحياة من الحبة الميتة ويخرج الموت من الحبة الحية . ومن الأدلة اللغوية على أن الآية السالفة الذكر تشير إلى أن الموت الخلوي له آلياته وأنظمته : كلمة وَمُخْرِجُ في قوله تعالى : وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ [ الأنعام : 95 ] ، فهذه الكلمة على وزن اسم فاعل . فالحاصل أن اسم الفاعل يصاغ للفعل فوق الثلاثي على وزن مضارعه المعلوم بإبدال حرف المضارعة ( الياء ) ميما . وكما سبق وتكلمنا في مبحث ( الماء والمني / تفسير النقطة الثالثة « أن هذا الماء ليس متدفقا فحسب بل دافق » ) : « فإن اشتقاق صيغة [ فاعل ] من فعلها ، ينبغي أن يكون في الصيغة معنى الفعل ، أي يكون الفعل قائما بالصيغة » ، أي بمعنى آخر : أن صفة إخراج الميت من الحي والحي من الميت قائمة بنفس الخلية عبر آليّات الاستموات الموجودة فيها - بإذن اللّه - . فالاستموات والإحياء صفتان لخلايا الجسد ، لصيقة بها ، لا تنفك عنها . ولاحظ أيها القارئ الكريم الدقة في صياغة الآية . فقوله تعالى : وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ معطوف على قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى لأن كلا منها اسم فاعل ، وهذا إن دل على شيء فهو يدل على نوعان من العمليات تتحكم فيها الآليات المودعة في الخلية - بإذن اللّه - بالاستموات والإحياء : الفلق ، وإخراج الميت من الحي . أما كلمة : يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ فجاءت خالية من عطف الواو على ما قبلها . ففي اللغة العربية إذا جاءت جملة بعد جملة أخرى ، ولم يفصل بينهما بحرف عطف ، فالأخيرة قد تعني البيان على سبيل التفسير ، أو الوصف ، أو التأكيد ، أو غير ذلك « 1 » ، وهذا يعني أن فلق الخلية هو بمثابة إخراج الحي من الميّت . جاء في تفسير المحيط « 2 » : « وعطف قوله : وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ على قوله : فالِقُ الْحَبِّ

--> ( 1 ) تفسير الألوسي ، دار إحياء التراث العربي - ج 7 / ص 226 - 227 - . ( 2 ) انظر مبحث « القابلية للحياة / التعديل » .