كريم نجيب الأغر

496

إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام

جاء في القرطبي « 1 » في تفسير فَقَدَّرَهُ : « فقدره في بطن أمه . كذا روى الضحاك عن ابن عباس : أي قدر « 2 » يديه ورجليه وعينيه وسائر آرابه ، وحسنا ودميما وقصيرا وطويلا . . . » . وإذا تأملنا الآيات : أَ فَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ ( 58 ) أَ أَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ ( 59 ) نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ( 60 ) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ ( 61 ) [ الواقعة : 58 - 61 ] ، فهمنا أن الحديث هو عن تقدير موت الإنسان . وبما أن الآيات تتحدث ابتداء عن المني - أي عن النطف - ، نفهم أن تقدير الموت يكون من النطف - أي من الصبغيات أو المورثات التي تحتويها النطف - كما يقتضيه السياق القرآني « 3 » ( انظر مبحث « تعريف الإعجاز العلمي في القرآن والسنة والأسس التي يرتكز عليها » ) . ومن الجدير بالذكر أن اللّه تعالى نفى صفة الخلق عن الإنسان وجعلها صفة له في قوله : أَ فَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ ( 58 ) أَ أَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ ( 59 ) [ الواقعة : 58 - 59 ] ، وهو بذلك نفى صفة التقدير عن الإنسان وجعلها صفة له كما تشير إليه الآية القرآنية : نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ( 60 ) [ الواقعة : 60 ] ، فهو الذي خلق النطفة ، وهو الذي بذلك أودع في النطفة صفة التقدير ، وبالتالي فإن النطفة تقدّر بنية الإنسان

--> ( 1 ) تفسير القرطبي - ج 19 / ص 218 . ( 2 ) قدّر : بمعنى أظهر قدره . ( 3 ) إذا تأملنا الآيات : أَ فَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ ( 58 ) أَ أَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ ( 59 ) نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ( 60 ) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ ( 61 ) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ ( 62 ) أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ ( 63 ) أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ ( 64 ) لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ ( 65 ) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ ( 66 ) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ( 67 ) أَ فَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ ( 68 ) أَ أَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ ( 69 ) لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً فَلَوْ لا تَشْكُرُونَ ( 70 ) أَ فَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ ( 71 ) أَ أَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ ( 72 ) نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ ( 73 ) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ( 74 ) [ الواقعة : 58 - 74 ] ، إذا تأملنا هذه الآيات لاحظنا أن الآيات تتكلم عن موضوع معين ، ومن ثمّ تشير إلى عدم مقدرة الإنسان على التحكم بالظاهرة الكونية المرتبطة بهذا الموضوع ، ومن ثمّ تعظه وتذكره . فعلى سبيل المثال : يذكر اللّه تعالى لنا النار ، ومن ثمّ يشير إلى عدم مقدرة الإنسان على إنشاء الشجرة التي توقد منها النار ، ومن ثمّ يذكر لنا أنه خلقها لتذكّرنا بنار جهنم ، وكذلك يذكر اللّه تعالى لنا الماء ، ومن ثمّ يشير إلى عدم مقدرة الإنسان على إنزال الماء من السحاب ، ومن ثمّ يذكرنا أنه يجب علينا أن نشكره على نعمة الماء النقي ، وكذلك يذكر اللّه تعالى لنا الحرث ، ومن ثمّ يشير إلى عدم مقدرة الإنسان على إنباته ، ومن ثمّ يذكّرنا أنه يجب أن نشكره أنه لم يفسد لنا الزرع ، وكذلك يذكر اللّه تعالى المني ، ومن ثمّ يشير إلى عدم مقدرة الإنسان على التحكم في خلق المني وتقدير موته بهذا المني ، ومن ثمّ يذكّرنا على أنه قادر على أن يخلقنا بهيئة مختلفة من هذا المني ، وهذا كما يقتضيه السياق القرآني .